الأعمدةتأملات

الحوار السوداني السوداني .. أزمة مفاهيم ومواقف

تأملات
جمال عنقرة

ليس المجال مجال تحدي، ولكني اقول بالفم المليان لا يستطيع احد في السودان مهما بلغ من شان أن يزايد علي شخصي الضعيف في مسألة الحوار، وقبول الآخر، سواء في التاريخ أو التنوع، أو الصبر والمصابرة، أو الثبات علي المبدأ والمثابرة، نسأل الله أن يجعله في ميزان الحسنات، ويثبتنا عليه، وينفع به بلدنا وشعبنا.
فلم يسبقن احد من شباب الحركة الإسلامية في قبول المصالحة الوطنية بين الجبهة الوطنية ونظام مايو في سبعينيات القرن الماضي، فكنت اول من عمل في صحافة مايو من الاسلاميين (الأيام) واول من انخرط في أجهزة الاتحاد الاشتراكي (اتحاد شباب السودان) مع أخي الشريف عبد الله ابراهيم فكي، واستطعت أن أمد جسور التواصل مع كل القيادات المايوية، الرئيس نميري، عز الدين السيد، صلاح عبد العال مبروك، احمد عبد الحليم، ابراهيم منعم منصور، امال عباس العجب، بابكر عبد الرحيم، بابكر علي التوم، ابو القاسم محمد ابراهيم، الفاتح بشارة، اسماعيل الحاج موسي، بهاء الدين محمد ادريس، الرشيد الطاهر بكر، كامل محجوب، وهؤلاء علي سبيل المثال لا الحصر، ولا تزال علاقاتي ممتدة مع أسرهم وابنائهم. ولا يوجد حزب سياسي في السودان أو حركة مسلحة أو مكون قبلي أو جماعة إسلامية صوفية أو سلفية أو حديثة أو حتى غير مسلمة لا توجد بيني وبينها جسور ممتدة، وكذا الحال مع كل قطاعات الشعب السوداني القئوية والنقابية والمهنية، وغيرها.
والحوار قضية دين ومبدإ، قبل كل شئ، فإذا كان الله القادر علي كل شئ، والمالك لكل موجود، بدا خلق الإنسان بحوار مع الملائكة (اني جاعل في الأرض خليفة) ولم يرغمهم علي القبول، وإنما قدم لهم الدليل والبرهان (وعلم ادم الأسماء كلها) فمن باب اولي أن يدير الناس شئونهم بالحوار.
وعلي الرغم من أن نشأة السودان، وتكوينه تم بالحوار والتراضي، والتعايش، وقبول الآخر، الا أن السياسة فيه واجه الحوار فيها صعوبات جمة، افشلت كثير من المساعي الحميدة، وما ال اليه حال بلدنا اليوم حصاد تراكم ذلك الفشل، ودعونا نبدأ من قريب، من انتفاضة رجب أبريل ١٩٨٥م التي أسقطت نظام مايو وفتحت الباب لتلاقي القوي الوطنية في جو حر ديمقراطي.
عقب ظهور نتيجة انتخابات ١٩٨٦م، وفوز أحزاب الأمة والاتحادي الديمقراطي والجبهة الإسلامية القومية بأغلبية مقاعد البرلمان قاد الشريف زين العابدين الهندي الأمين العام للحرب الاتحادي الديمقراطي مبادرة لتشكيل حكومة من أحزاب الجبهة الوطنية الثلاثة، وقاد رئيس حزبهم مولانا السيد محمد عثمان الميرغني للتواثق مع الأمين العام للجبهة الإسلامية لعدم دخول أحدهما في ائتلاف مع السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة دون الآخر، ولكن لم تمض ساعات محدودة علي التواثق، حتي اتفق السيدان المهدي والميرغني علي تشكيل حكومة ائتلافية، ووأدا الاتفاق في مهده.
لم تصبر الأحزاب السياسية علي التجربة الديمقراطية، فتآمروا مع بعض القيادات العسكرية، واخرجوا الجبهة الإسلامية من التحالف الحاكم، عبر مذكرة الجيش المشهورة في ٢٠ فبراير ١٩٨٩م، فقلبت عليهم الجبهة الطاولة، واستولت علي الحكم كله بانقلاب الإنقاذ في ٣٠يونيو ١٩٨٩م.
الطريقة السهلة السريعة السلسة التي استولت بها الجبهة علي الحكم، جعلتها تستسهل الحكم، فتوهم قادتها انهم يمكن لهم أن يحكموا السودان وحدهم، دون بقية أهله، فكان هذا واحدا من أسباب تعثر نظام الإنقاذ وكثرة الصراعات.
في عام ١٩٩٦م قاد الشريف زين العابدين الهندي مبادرة الحوار الشعبي الشامل، وكان الهدف منها قيادة حوار شامل لكل المكونات السياسية وغير السياسية يهدف إلى توحيد الجبهة الداخلية، الا أن مشروعه الكبير هزمه شركاؤه في الحكومة وحزبه، الحكومة أرادت له أن يكون ديكور وزينة، فحاصرت الحوار الشعبي، وقيادات حزبه الذين قدمهم اكتفوا بقسمة السلطة والثروة، فسأل الله أن ياخذه منهم، واستجاب الله لدعوته، له الرحمة والمغفرة.
في عام ٢٠٠٥م استطاعت حكومة الانقاذ التوصل إلى سلام أوقف الحرب، وفتح الباب أمام بناء سودان جديد، الا أن القوي السياسية الشمالية الحاكمة والمعارضة معا كانت سببا اساسيا في اتخاذ الجنوبيين قرار الانفصال، الحاكمون لم يصدقوا معهم، والمعارضون باعدوا بينهم وبين الحاكمين.
في يناير ٢٠١٤م بدا نظام الإنقاذ مشروع حوار وطني سوداني، سوداني داخل الوطن، واستجابت كل القوي المعارضة لدعوة الحوار وشاركت فيه بفاعلية، واذكر اني في تلك الفترة انتجت وقدمت برنامج (اوراق) في قناة الخرطوم الفضائية برعاية وتمويل وحماية رئاسة الجمهورية، بمباركة الرئيس البشير ورعاية الدكتور فضل عبد الله فضل وزير رئاسة الجمهورية، دعما للحوار الوطني، واستضفت في البرنامج اغلب قيادات المعارضة، وسمحت لهم أن يقولوا ما يشاؤون، وبثينا كل ما قالوا دون حذف أو تشويش، ومن الذين استضفتهم، السيد الصادق المهدي، الشيخ حسن أبو سبيب، ابراهيم الشيخ، الشيخ إبراهيم السنوسي، البروف حيدر الصافي، مبارك الفاضل، عبد الرسول النور، ابو بكر حامد نور، الشيخ عمر حضرة، وآخرين كثر.
سقوط الإنقاذ في أبريل ٢٠١٩م، فتح الباب مرة اخري لوحدة الجبهة الداخلية، الا أن المؤامرة الخارجية أسندت الأمر إلى غير أهله، فالذين مثلوا المدنيين باسم الحرية والتغيير عمدوا للتمكين لأنفسهم، وانشغلوا بتصفية الاسلاميين الذين كانوا قد اقتنعوا بالسقوط، ومكنوا للدعم السريع علي حساب القوات المسلحة، ووضعوا النظام الاطاري للتمكين لحكمهم، ولما لم ينجحوا في تمريره اشعلوا الحرب التي قضت علي الأخضر قبل اليابس.
اليوم تهيأت فرص كبيرة لانهاء الحرب عبر الحوار، اهمها أن الشعب كله تقريبا يقف خلف قواته المسلحة، وأن الجيش المسنود بشعبه صار يحقق تقدما ملحوظا علي الأرض، والمليشيا تضعف شوكتها، وحرب الخليج شغلت الكفيل بنفسه، ولكن المشكلة ان أطراف المسألة السودانية لم يتهيأوا بعد لعملية الحوار والسلام،.
الشعب لم يستوعب بعد إمكانية قبول الذين قتلوا والذين سرقوا والذين اغتصبوا، مجموعة قحت لا تزال تتوهم أن لهم جماهير وقبول في الشارع السوداني، الاسلاميون لا يزال كثيرون منهم يحلمون بالعودة إلى الحكم، والقيادة في حيرة من أمرها (ده حار وده ما بنكوي بيه) يريدون الحوار مع المتمردين، ويخافون من الشارع، يتمسكون بحلفائهم من الاسلاميين الذين وقفوا معهم في الحرب، ويستحون من تسويقهم، فيلجأوون إلى الاستعانة بالهوامش والفاقد السياسي، وهؤلاء لا خير فيهم ولا كفاية شرهم، عالة عليهم، أينما يوجهونهم لا ياتون بخير.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى