
تأملات
جمال عنقرة
كتبت مقالات كثيرة قبل ذلك عن أن دولة السودان بنيت علي الإقصاء والتعالي الكذوب، وذكرت أمثلة لذلك منذ دولة المهدية التي سقطت بسبب الإقصاء، ثم الاستقلال الذي سبقته حرب الجنوب التي ظلت تتناسل بسبب الإقصاء، ثم حكومة الأزهري الاولي التي سقطت بسبب الإقصاء، ثم حكومة الأزهري الثانية التي سقطت بسبب الإقصاء، ثم حكومة الحزبية الثالثة برئاسة السيد الصادق المهدي والتي سقطت ايضاً بسبب الإقصاء، وجاءت حكومة الإنقاذ التي استمرت ثلاثين عاما، ثم سقطت كذلك بسبب الإقصاء.
وبعد هذه التجارب الطويلة الفاشلة والتي امتدّت لأكثر من مائة عام، عنوانها كله الفشل، كان الظن أن يستفيد الناس من هذه الدروس والعبر التي جسدتها ثورة أبريل، فيتوافقون علي نظام جديد يعالجون فيه اخطاء وخطايا الماضي، ويبنون معا وطنا يسعهم جميعا، بلا عزل ولا إقصاء، ولكن يبدو ان الظروف والملابسات غير الموضوعية لثورة ديسمبر، قادت إلى نتائج اكثر مأساوية من كل ما مضي.
صحيح أن مظاهرات ديسمبر شارك فيها الشعب السوداني كله، بمن في ذلك بعض الذين كانوا محسوبين علي النظام الحاكم آنذاك، إلا ان الإنقاذ لم تسقطها المظاهرات، وإنما أسقطتها اللجنة الأمنية، وكان لعضوين فقط من اعضاء اللجنة نصيب الأسد، هما صلاح قوش، وحميدتي، ولكنهم لم يستطيعوا أن يصمدوا اكثر من أربع وعشرين ساعة فقط، استقال بعدها رئيسهم الفريق أول ركن عوض بن عوف، ولأن الذين ورثوا من بعدهم من العسكريين لم يكونوا طرفا في التغيير سيطر عليهم حميدتي، وصار هو الحاكم الفعلي للسودان، ولقد مكنته الرباعية الخارجية من ذلك، واعني رباعية امريكا وبريطانيا والإمارات والسعودية، وزاد تمكينه ضعف الأحزاب السياسية، فسيطرت عليها مجموعة مجهولة باسم الحرية والتغيير، فقادوا البلد إلى هذه المحرقة الكارثة.
ان ما جري يجب ان يرد الناس إلى الصواب، ولا يقودهم إلى مزيد من التيه والضلال.
وما يتداوله الناس من احاديث عن الحوار السوداني السوداني، فيه كثير من التيه والضلال،
صحيح ما فعلته المليشيا والذين وقفوا معها، والذين ساندوها، يسقط عنهم كل فضيلة، لكنه لا يسقط الأصول، فباب التوبة الذي جعله الله مفتوحا حتى للذين كفروا به، ليس لاحد الحق في إغلاقه، وباب الحوار المفتوح مع الشيطان، لا يغلق مع الإنسان مهما تشيطن.
ويبدو أن تخوف البعض من ان يعود الحوار بالناس إلى ما قبل الحرب، جعلهم يتخوفون من الحوار، ويدعون إلى غلق بابه تماما، وهذا تخوف مشروع، لكنه يجب أن يقودنا إلى الحذر، ولا يلقي بنا في المخاطر والمهالك، وليس هناك مهالك ولا مخاطر اعظم من التي يخلفها عدم الحوار.
فليس مطلوبا منا فقط أن نقبل الحوار مع المتمردين والخارجين، ولكنه واجب علينا ان نسعي لهم، وليس هناك ساعة انسب لذلك من ساعات النصر التي نعيشها الان، ويحضرني في هذه لحظة دخول الرسول صلي الله عليه وسلم مكة فاتحا، والمشركين منكسرين ذليلين، بعد أن طغوا وتجبروا، فسالهم (ماذا تظنون اني فاعل بكم؟) فردوا عليه بما عهدوا عنه (اخ كريم، ابن اخ كريم) فقال لهم (اذهبوا فأنتم الطلقاء) ثم أردف (من دخل البيت فهو امن، ومن دخل دار ابي سفيان فهو امن) فدخلوا في دين الله أفواجا، وسبح بحمد ربه انه كان توابا.