
تأملات
بقلم حسين اركو مناوى
كل شئ من حولك تراه ينبض بحيوية ساحرة وتتساءل من أين تأتى هذه الحيوية؟.. تتساءل عن نوع المغريات, عن حوافز ,عن دوافع التى تولّد تلك الطاقة ومقدار الجاذبية , ولا تجد أمامك إجابة شافية ألا رغبات الجسد” المال , البنون , الشهرة” في خضم هذه الحياة المضطربة برغبة الملاحقة والمواكبة, لم ألاحظ , بالأحرى لم اعر انتباهاً لشئٍ آخر ذات علاقة بالنفس ألا الماديات. . قبل يوم من مغادرتى لندن, عاصمة الضباب كنتُ منغمساً فى أشياء جذبتنى بسحرها, بعرضها وأكاد لا أستطيع التحرر من بريقها…بل ادركتُ لست وحدى أمشي طائعاً وراء زيف الحياة, العالم كله من حولي يعيش ذليلاً حقيراً تحت وطأة رغبات الجسد وإن تظاهر البعض كذباً بالتقشف.. بل وحتى إن لبسوا ثوب الرهبانية… بين المادة والروح تتجلى المقاومة في أقصى درجاتها, و نقف حيارى أمام سؤال محورى,…. هل التناقض جوهرٌ فى النفس البشرية ؟؟؟
كنت أفكر من الذي يتحكم على العالم المادي الذي يعيش البشرية في جحيمه… كالعادة كما يعتقد الكل ايضاً قلت فى نفسى دون عناء تفكير, حسناً كما يراها كثيرون دعنا نقول هم أولئك الذين يقبعون في الطرف الغربي من الكرة الأرضية….. لدى صديق من فلسطين كان أكثر صراحة عندما قال, هم الأمريكان والبريطانيون والفرنسيون… البعض أشاروا أصابع الاتهام إلى عائلة روتشيلد…كل ذلك ممكن ولكن.. وما أدراك ما لكن…. أنا قلتُ فى نفسي يكون ذلك صحيح أو كذب وهراء… أليست عائلة روتشيلد جزء مننا.. أليست هي امتداد لجينات أبونا آدم الذي سن المعاصي؟؟؟ وكيف يستثنى الآخرون أنفسهم من الوزر … قلتُ يجب أن نُعيد كل شئ إلى أصله لنرى الحقيقة المجردة,.. عندئذٍ ندرك أن النفس البشرية هي مصدر الطمع… والطمع هو الطمع إن قلّ أو كَثُر…إن طفف آل روتشيلد بقناطير مقنطرة, ما بالكم ذرية آدم كلهم مطففون إلا من رحم ربه.
تساءلت مرة ومرة ,من هو المستهلك لمنتجات كبريات شركات الأسلحة فى العالم؛ لوكهيد مارتن.. بوينغ… ايرباص.. جنرال ديناميكس.. تشاينا نورث… بي إيه إي سيستمز… الإجابة كانت صادمة, المستهلك هو نحن البشر بلا استثناء…. كل مستهلك يُشْبع رغباته مما تنتجها هذه الشركات من آلة القتل والدمار.
كل منا يجد نفسه جزء لا يتجزأ من هذا العالم , عالم المادي الذي لا ينثني عن تحطيم القيم الروحية في الإنسان… كان يوم الأربعاء الموافق 15 نوفمبر 2022, والجزء الشمالي للكرة الأرضية قد ودّع الصيف بطبيعته الساحرة وشمسه المشرقة ولم تعد الملابس الخفيفة مظهر من مظاهر شوارع لندن الصاخبة, والحياة في المدينة سلمت نفسها لطقوس الشتاء. عادة قبل أن أغادر السكن إلى قلب المدينة أو أى وجهة اخرى, أول مهمة أقوم بها قراءة الطقس ومن ثم الاطلاع على قائمة برنامج اليوم وفق نظام صارم مرتبط بشبكة برمجة الخدمة العامة في الدولة.
فى ذلك اليوم الذي صادف قبل سفري بيوم لم أكن ارتبط باى موعد فقط كان علىّ أن أذهب إلى أكسفورد سيركس في قلب لندن لشراء بعض مقتنيات.
هناك فى أكسفورد سيركس يتجسد العالم المادي. فى هذا الشارع قد تقابلك معظم ماركات التجارية فى العالم واذنك تعانى من صخب وضجيج ألسن متعددة قد تصل إلى عشرات لغات إن لم تكن كل لغات العالم .
تجد نفسك أمام مغريات لا حد لها, كتل بشرية تتدفق إلى متاجر رئيسية ؛ جون لويز , مارك أند اسبنسر, سلفرج, آيفون. سامسونغ… بريمارك… والقائمة تطول.
تشاهد سلوك استهلاك مفرط من كل الفئات العمرية…تجدهم أطفالاً بوصف أبى القاسم الشابي.
وألذ من سحر الصبا ** في بسمة الطفل الغرير… تجدهم كهولاً بوصف محمد سعيد العباسي…
سبعون قَصّرتِ الخُطا فتركنَني أمشي الهُوينى ظالعاً مُتَعثِّرا… تجدهم فى عز الشباب بوصف أبى فراس الحمدانى…. وَقُورٌ، وَرَيْعَانُ الصِّبَا يَسْتَفِزّها…. فتأرنُ أحياناً ، كما يأرنُ المهرُ… تجدهم كما تغنى أبو داؤود؛…إن كان تميس بنميس و إن كان تموح بنموح.
تجد كلهم منغمسين فى حب الاقتناء بقوة شرائية هائلة.. فى هذا المناخ الموصوف ب كزوموبلوتن يتجسد جانب مهم من الطبيعة البشرية. أكسفورد سركيس الشارع الذى يستقبل احياناً فى أسبوع واحد ما يقارب خمس مليون شخص من مختلف الجنسيات يعطيك نموذجاً حياً عن النفس البشرية وأين يكمن الخلل فينا.
فى اليوم التالى وأنا على عتبة صالة مغادرة ترمينال 2… كوينز ترمينال مطار هيثرو يتكرر مشهد لا فرق بينه وبين مشهد أكسفورد سيركس. حقائب تكدست بمقتنيات المغادرين, فناء الصالة يعج بجموع فوق الوصف, يخيل لك كأنّ بعضهم يموج فى بعض… المنظر يوحي كل امرئ في شأنه, وأنت تعيش حالة القلق والارتباك عبر سلسلة من إجراءات رتيبة وصارمة حتى لحظة الصعود على الطائرة… إنها قطعة من عذاب في سبيل الفوز برحلة أُعدّت لواحدة من شهوات الجسد المال, البنون , الشهرة او كلهم… فى هذه المعركة تطلعات الجسد تشغلك فى كل ثانية ودقيقة.. لا تعرف في أيهم تركز , أحيانا تستقبل مكالمات وأخرى ترسل مكالمات ومرات كثيرة ترى نفسك مدمناً بصفحات جهازك الخلوي أو قل منزلك الصغير, وتتخيل نفسك وسط مجموعة من الأصدقاء أو الأسرة أو حتى الخصوم,مكباً على وجهك ولا تسمع من الضجيج ألا همساً وأنت ترى نفسك وجهاً لوجه مع شخصيات متعددة وتدير معهم حوارات متنقلاً من غرفة إلى غرفة , وتساب, فيسبوك , انستغرام , تويتر….. الخ.
أقلعت الطائرة في تمام الساعة الثامنة وأربعين دقيقة مساءً ونحن نسابق الريح فى ارتفاعات شاهقة…قبل الإقلاع بدقائق كنت أنصت إلى إرشادات المضيفة,وأتذكر فى وقتها المضيفة لم تتحول من اللغة الأمهرية إلى الإنجليزية وفي رمشة عين رأيت نفسي غادرت محطة الضجيج والصخب واللهث وراء المقتنيات وشهوات النفس… . وجدت نفسي في فضاء جديد.. الزمان والمكان والشخوص والأحداث تأخذك فجأة إلى الوراء ما قبل خمسين سنة, حيث الأسرة النووية الصغيرة.. حيث القرية والفرقان الوادعة والحياة الحالمة التى تملأها الطمأنينة والألفة. وجدت نفسى امرح بين الأتراب…نتسابق فى ساحات.. نطارد أسراب الطيور.. نتنافس حول لعبة الشليل تحت ليالى قمراء.. فى النهار نغزو البراري والتلال والوهاد مع شياه.. عند الاصائل تستقبلنا القرية أو الفرقان باحضان دافئة.. أحضان الأمهات… ضحكات بريئة من أفراد الأسرة.. وفي الجانب الآخر من المنزل تسمع قهقهة الرجال… تراهم فى جلسة ريفية ممتعة يتوسطهم الجد وفيهم الوالد , وفيهم الخال والعم والأخ الأكبر.. هكذا في المساء كل رجال القرية يتجمعون فى مكان واحد.. شركاء فى الفرح والهموم… فى هذه الجنة الريفية لا شئ يستبد النفس أو يتملكها ألا الطمأنينة والحب والالفة… بينما كانت روحي تحلق في سماوات الطفولة الحالمة ومع إيقاع الطبيعة التي لم تدنسها الشهوات, ايقظتُ من غفوةٍ وفجأة أضاءت أنوار الطائرة وأنا أنصت إلى المضيفة وهى تقدم لي خيارات الوجبة ونظرت إلى الشاشة الصغيرة أمام مقعدى.. تصفحتُ المعلومات على خارطة الرحلة… وضعتُ الخريطة على 3D اى الخريطة ذات ثلاثة أبعاد لاقرأ موقع الرحلة فإذا نحن نحلق فوق البحر الادرياتيك على ارتفاع ناهز ثلاثين ألف قدم… كل شئ عاد إلى المحطة التى تركتها قبل سويعات فى مطار هيثرو حيث الركض وراء سراب الدنيا.
حسين اركو مناوى
3/12/2022