
الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية سعد محمد عبدالله
الدبلوماسية السودانية في مسار العودة إلى الهيئات الإقليمية
سعد محمد عبدالله
كشف النشاط الدبلوماسي في الساحة السودانية خلال الفترة الأخيرة عن أهمية إعادة بناء علاقات السودان مع محيطه الإقليمي، وإستعادة دوره داخل المنظمات الإقليمية، وفي مقدمتها الإتحاد الأفريقي ومنظمة إيقاد، وهذه حقيقة ثابتة عند مطلع كل حديث؛ فقيادة الدولة تعلم جيدًا أن العزلة السياسية لا تخدم مصالح الدول، وفي إعتقادي أن تجارب الدول المنغلقة أو المنعزلة لم تحقق نتائج إيجابية إلا بعد إنفتاحها على محيطها، وخذ على سبيل المثال تجربتي ألبانيا واليابان، اللتين أغلقتا أبوابهما لسنوات طويلة، ثم إنفتحتا على العالم لمواكبة تطوراته والإستفادة من فرصه المتجددة، ولذلك يشكل الإنفتاح على المؤسسات الإقليمية مدخلًا مهمًا لتعزيز قيم الحوار الجاد والمثمر من أجل تحقيق الإستقرار، وبناء مجتمع متسامح ومنتج، وتهيئة المناخ المناسب لدعم جهود إعادة الإعمار، وجذب الإستثمارات بمختلف أشكالها لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة؛ كما أن الزيارات المتبادلة واللقاءات رفيعة المستوى تؤكد وجود رغبة مشتركة في تجاوز مرحلة التوتر، والإنتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على أسس الحوار والتنسيق والتعاون، بما يحقق المصالح العليا، ويعزز وشائج الثقة بين السودان وشركائه في الإقليم، خاصة في ظل تفاقم التحديات الأمنية والإنسانية التي تتطلب إستجابة جماعية وتعاونًا وثيقًا بين الدول والمنظمات الإقليمية.
لقد حملت زيارة الأمين التنفيذي لمنظمة إيقاد إلى السودان دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة؛ فهي تؤكد أن السودان ما يزال يمثل دولة محورية على خارطة منطقة القرن الأفريقي، التي تحظى باهتمام متزايد في حسابات التوازنات والإستراتيجيات الدولية، وأن إستقرار السودان يرتبط بصورة مباشرة باستقرار الإقليم بأكمله؛ لذلك نرى أن اللقاءات التي أجراها مع كبار المسؤولين في السودان، إلى جانب مشاوراته مع المسؤولين في جمهورية جنوب السودان، تعكس مدى حرص المنظمة على إصلاح ما أفسدته سنوات التوتر، من خلال دعم الحلول التي تحفظ وحدة السودان وسيادته وإستقرار شعبه، وتسهم في توسيع فرص التعافي والإزدهار الوطني، ويكتسب هذا التحرك أهمية إضافية في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، حيث أصبحت الحاجة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى لتنسيق الجهود في مجالات الأمن، ومكافحة الإرهاب، ومحاربة شبكات الإتجار بالمخدرات، وإدارة الحدود، وحماية المدنيين، لا سيما أن شبح الحرب عاد ليخيم على إحدى دول الجوار المباشر للسودان، ويضاف إلى ذلك ضرورة دعم جهود التنمية الإقتصادية، بما يجعل التعاون الإقليمي أحد أهم أدوات معالجة الأزمات القائمة، وترسيخ عوامل الإستقرار، وتحقيق النهضة.
تمثل التحركات التي يقودها السودان داخل أروقة الإتحاد الأفريقي خطوة إيجابية نحو إستعادة حضوره الطبيعي في المؤسسات القارية، خاصة مع إستمرار التواصل المباشر مع قيادة مفوضية الإتحاد الأفريقي، والإستعداد لإستقبال وفد رفيع المستوى من مجلس السلم والأمن الأفريقي خلال الفترة المقبلة؛ فمن شأن هذه الخطوات المتناسقة والثابتة أن تتيح للمؤسسات الأفريقية الإطلاع، بصورة مباشرة ودون أي قيود، على حقيقة الأوضاع في السودان، وما أفرزه دعم بعض الحكومات للمليشيات المسلحة، وعلى رأسها مليشيا الدعم السريع، وما إرتكبته من إنتهاكات جسيمة، بعيدًا عن حملات التضليل الإعلامي والمعلومات غير الدقيقة التي تروج لها جهات غير محايدة، بما يسهم في بناء رؤية أكثر توازنًا تجاه الأزمة السودانية، التي ينبغي معالجة جذورها وفق مبدأ “حلول أفريقية لمشكلات أفريقيا”؛ كما أن عرض تطورات الأوضاع الإنسانية، وجهود التعافي، وملف عودة اللاجئين والنازحين، يعكس إلتزام الدولة بالعمل مع شركائها الإقليميين والدوليين من أجل إعادة الإستقرار، ويؤكد أن الحوار المباشر والتعاون المؤسسي يظلان الطريق الأكثر أمانًا وفاعلية لمعالجة القضايا المعقدة التي تواجه السودان والمنطقة بأسرها.
إن نجاح هذه الجهود الدبلوماسية لن يقتصر أثره على إستعادة السودان لمكانته داخل الهيئات الإقليمية، ولن يتوقف مداه عند حدود إدارة الأزمات التي فرضت واقعًا سياسيًا وأمنيًا لا يُطاق، بل سيمثل نقطة إنطلاق حقيقية نحو مرحلة جديدة من الشراكة والتعاون مع دول الجوار في مختلف المجالات، بما ينعكس إيجابًا على السلام والأمن الإقليميين، والتنمية العادلة في الريف والمدينة، ومعالجة أسباب التهميش التي تسهم في إندلاع الأزمات وإتساع رقعتها؛ غير أن تحقيق هذه الغاية يتطلب إستمرار العمل الدبلوماسي النشط والمتزن في مختلف الإتجاهات، وتعزيز وحدة الموقف الوطني، والإستفادة من الدعم الذي تبديه المؤسسات الإقليمية لإسناد جهود السلام والإستقرار والتعافي الوطني، وإذا ما تكللت الزيارة المرتقبة لمجلس السلم والأمن الأفريقي بنتائج إيجابية، فإنها ستشكل، بلا شك، رسالة واضحة تؤكد عودة السودان التدريجية إلى محيطه الطبيعي، وتفتح آفاقًا واسعة لإستعادة الثقة بين السودان وشركائه في القارة، بما يتيح فرصًا جديدة للتعاون السياسي والإقتصادي والإنساني، ويؤسس لمرحلة واعدة يكون فيها السودان عنصرًا فاعلًا في تعزيز الأمن والإستقرار الإقليميين، وخدمة مصالح شعبه، وبناء سودانٍ جديدٍ موحدٍ ومزدهر.