
الرحيل المر لوالد سعادة السفير كمال على عثمان طه
كلام بفلوس
تاج السر محمد حامد
قبل اسبوع تقريبا حضر من السودان للسعودية (والد) القنصل العام سعادة السفير كمال على عثمان وهو لا يعلم أنها خاتمة أعماله لهذه الحياة وأبت نفسه إلا أن يأتى الله طاهرا نقيا فلم يمهله الشوق إلى الله فقد عرجت روحه إلى بارئها وذهب فى ضيافة الرحمن فى ملكوته وهو يحمل التقى والصلاح بعد أن اسكن الله طاعته فيها وهنا تذكرت هذه الآية الكريمة (*أن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم مافى الارحام وماتدرى نفس ماذا تكسب غدا وماتدرى نفس بأى أرض تموت إن الله عليم خبير)* صدق الله العظيم .
بين السطور الجليلة وجدت يدى وعينى تسبقنى لهذه الآية الكريمة التى تختتم سورة لقمان لما فيها من قضية طالما وقفت عندها مدارك البشر الضئيلة أمام قدرات فاطر السموات والأرض العلى القدير ألا وهى قضية الإنسان مسيرا ام مخيرا .. ففى بعض الأحيان تراودنى فكرة إن الإنسان بطبيعة الحال مسيرا وفقا لما ترسمه له الإرادة السماوية .. وتارة أخرى أنه مخير لأن الله سبحانه وتعالى أودع فيه نورين هما اللب والقلب وبهما يتخير مسلكه فى الحياة سوى كان خيرا أم شرا ويجنى ثمرة ماقدمت يداه ويحاسب على ذلك إما بالأثابة أو الجزاء .
قال الله تعالى فى محكم تنزيله ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعى إلى ربك راضية مرضية فأدخلى فى عبادى وادخلى جنتى ) صدق الله العظيم .. سبحان من له الدوام .. ولأن الموت نقاد لا يختار إلا الجياد .. فقد اختار والد الجميع (*على عثمان طه)* واصطفاه الله عز وجل ليسمو ويرتقى إلى جواره الآمن الأمين وفى جنات النعيم فى اعلى عليين مع الشهداء والابرار الصالحين فاهنأ وأنعم برحمة رب العالمين .
إن القلب ليحزن والعين لتدمع وإنا على فراقك لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضى الله (*إنا لله وإنا إليه راجعون)* ففى هذه الأيام المباركات وبرحيل والد القنصل العام السفير كمال على عثمان إنفتح الجرح وعادت شلالات الدم تنزف من العروق عند ارتحال والد الكل .. فاسودت الدنيا على الجميع واندلق حبر المحابر وتوقف اليراع وتبعثرت الكلمات حزنا والما لرحيل صاحب القلب الأبيض والدواخل السمحة .. فالحياة تقسو وتزداد قسوتها عندما يفجعك رحيل الأب تاركا ثمار حصاده ليحملو اسمه بعد رحيله .. رحل وترك جرحا غائرا لن يندمل ومرارة يتجرعها الجميع حينما توقف ذلك القلب الكبير عن النبض .
(وبشر الصابرين) أى القرآن الكريم العظيم التى هى كلام الله تعالى معانيها لا تنتهى إلى حد يحتويها ( لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر ) وبشر الصابرين ليست بشارة نتلوها للعزاء بل هى تسلية روح مكلومة تجتاز الحزن إلى سعة الفرح لأنه يحتاج إلى صبر .. نبتهل للمولى عز وجل أن يتقبله فى عليين مع النبيين والشهداء .. نعزيكم ونعزى انفسنا برحيل والد الجميع (على عثمان طه) عميد الأسرة وأساسها .. نرفع الأكف لله متضرعين أن يتولاك برحمته ويشملك بمغفرته ويدخلك فى زمرة الانبياء والصديقين والشهداء وأن يلهم الجميع الصبر وأن يلحقنا بك غير مبدلين إنه ولى ذلك والقادر عليه .
إنا لله وإنا إليه راجعون .. دائما ما نفقد الأعزاء فى الأوقات الصعبة لكنها إرادة الله حيث لا اعتراض ولاجدال فى حكم الله .. فهم السابقون ونحن اللاحقون حينما يحين موعد إقلاع رحلة كل منا .. والد الجميع ودع دنيانا الفانية بعد سيرة عطرة ومشرقة تركها للكل وها نحن نكتبها بحبر ( *الصبر)* فى دروبه المخضرة بإذن الله .
اللهم أجزل له العطاء بقدر ما أعطى ورعى وبذل .. اللهم أنه عبدك اتاك وليس له زاد إلا تقواك فأبسط يدك إليه وأجعله مع الكرام البرره المتكئين على الارائك واسقه برحمتك من الرحيق المختوم واجعله من الذين فى سرر مرفوعة ونمارق مصفوفه وذرابى مصفوفة .. واجعله يا الله ممن يأخذون كتابهم بيمينهم فى سدر مخضود وطلح ممدود وماء مسكوب .. نسألك أن تفرغ عليهم صبرا وتسبغ عليهم نصرا من عندك وتعينهم على شدائد الدهر ونوائبه .. إنا لله وإنا إليه راجعون .