
السودان… الوطن الذي يسكنني
لميس أدهم– تكتب
أنتمي إلى السودان،
ذلك الوطن الذي لا أسكنه فحسب، بل يسكنني حيثما حللت.
أحمله في داخلي كما تحمل الأم وليدها،
وأحمله في ملامحي كما تحمل الأرض أثر المطر الأول.
هي أرض أعرفها وتعرفني،
تحتضنني كأنني ابنتها الوحيدة،
تفهم صمتي قبل نطقي،
وتقرأ تفاصيل روحي كما أقرأ تضاريسها وحكاياتها القديمة.
أشتاق إلى رائحة الطين حين يبتل،
تلك الرائحة التي لا تشبه شيئا سوى البدايات،
التي كانت تخبرني، دون كلمات،
أن الحياة ما زالت قادرة على النهوض من تعبها.
أشتاق إلى النيل،
وهو يعبر هادئا، عميقا،
كأنه يعرف أسرارنا جميعا
ويؤثر الصمت عليها.
كان شاهدا على أعمارٍ مضت،
وعلى أحلام كبرت على ضفتيه ثم تفرقت.
أشتاق إلى صوت الأذان في حينا،
ذلك النداء الذي كان يعيد ترتيب القلب،
ويمنح الروح طمأنينة لا تُفسر.
وإلى أصوات الأبواب في البيوت القديمة،
وهي تُفتح وتُغلق برفق،
كأنها تؤكد لنا أن الانتماء ليس مكانا فقط،
بل دفء، وانتظار، وأمان.
ومنذ طفولتي،
كان لصوت القطار معنى خاص في حياتي.
لم يكن مجرد وسيلة عبور،
بل إشارة مبكرة للرحيل،
علامة تقول بصوت خافت: “سنغادر”.
كبرت وأنا أسمعه،
وكأن الفقد كان يتدرب عليّ منذ زمن بعيد.
في السودان تعلمت اسمي،
وفيه أدركت معنى أن أكون “أنا”.
كأن الحياة لا تُعرّف نفسها لي إلا من خلاله،
وكأن النبض لا يستقيم
إلا حين ينسجم مع إيقاعه.
وحين ابتعد عنه،
تتسلل إلي وحدة ثقيلة،
كوحدة آخر طفلة تبقت من عائلة عريقة،
تلتفت حولها فلا تجد
سوى صدى الذكريات.
آه يا وطني…
يا منبع روحي التي لم تعرف ذاتها إلا فيك،
يا أول حضن،
وآخر يقين.
لست بعيدة عنك يا وطني،
وإن باعدت بيننا الجغرافيا.
أحملك في لغتي، وفي ملامحي،
في خوفي وحنيني وارتباكي الدائم.
أحملك وطنا لا يغادرني،
وذاكرة لا تشيخ،
وجرحا جميلا يعلمني
أن الأوطان لا تستعاد بالعودة وحدها،
بل بالوفاء…
وفاء الذاكرة،
ووفاء الانتماء،
ووفاء القلب الذي لا يساوم
على جذوره الأولى.