مقالات

السودان بين دروس التاريخ وإمكانات العبور إلى المستقبل

سعد محمد عبد الله

​يحدثنا تاريخ السودان الحديث، منذ الإستقلال عن الإستعمار البريطاني، عن واقعٍ معقد تشكّلت ملامحه من صراعات متعددة الأبعاد، حيث تداخلت فيه العوامل السياسية والفكرية والإجتماعية بصورة جعلت من مسار الدولة الوطنية مسارًا وعرًا ومتعرجًا ومفتوحًا على إحتمالات عديدة؛ فمن جهة، برز تضارب واضح في السياسات المستندة إلى أيديولوجيات متباينة، أسهمت في خلق إختلافات جوهرية حول شكل نظام الحكم وطبيعته ومسار الإنتقال السلس من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، وكذلك حول كيفية تحقيق التوزيع العادل للتنمية بين مختلف أقاليم البلاد؛ وقد تعمّق هذا الخلاف في ظل غياب مشروع وطني جامع يقوم على الحد الأدنى من التوافق بين القوى السياسية والمجتمعية، الأمر الذي أضعف فرص بناء دولة مستقرة تستند إلى رؤية مشتركة، ومن جهة أخرى، جرى توظيف التنوع الإثني واللوني والديني في الصراع السياسي، ما أدى إلى إنتاج حالة من الجدل المفاهيمي حول قضايا حساسة مثل العلاقة بين الريف والمدينة، أو المركز والهامش، والحريات السياسية والمدنية؛ فضلاً عن سؤال الهوية الوطنية وحدودها الثقافية والإجتماعية في إتجاهين مختلفين “الأفرقانية والعروبة”، وقد وضع الدكتور جون قرنق في مشروع السودان الجديد معالجة لهذه المسألة تحت عنوان “السودانوية وحدها التي تستطيع توحيد السودانيين”، ونعلم جميعًا كيف أسهم هذا الواقع في تغذية مشاعر القلق والتوتر داخل المجتمعات، نظرًا لما يحمله من عناصر تهدد وحدة النسيج الإجتماعي وتضعف الإحساس العام بالإنتماء الوطني الجامع؛ كما أدى إستمرار هذه التناقضات إلى إندلاع حروب طويلة الأمد، إتخذت أشكالاً وخلفيات مختلفة، لكنها إشتركت جميعها في كونها تعبيرًا عن أزمة بنيوية في الدولة والمجتمع، ما جعل السودان يواجه تحديات مركبة تتطلب معالجات عميقة تتجاوز الحلول المؤقتة نحو بناء أسس راسخة للإستقرار.

​رغم هذا التاريخ المثقل بالتحديات الجسام، جاءت حرب الخامس عشر من أبريل لتشكل مفارقة لافتة في الوعي الوطني، إذ أدت الأحداث التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع الإرهابية، بدعم وتمويل خارجي، إلى بروز حالة من التماسك المجتمعي غير المسبوق، حيث توحد طيف واسع من السودانيين خلف رايات الوحدة الوطنية ودروب المصير المشترك، متجاوزين كثيرًا من الخلافات السياسية والإجتماعية والثقافية التي طالما شكلت عائقًا سميكًا أمام تماسكهم في الماضي القريب، وعكست هذه اللحظة قدرة المجتمع السوداني على إعادة إكتشاف ذاته في أوقات الأزمات، وإستدعاء القيم السودانية المشتركة التي تجمع بين مكوناته المختلفة، وعلى الرغم من وجود محاولات محدودة لإثارة خطاب الكراهية والعنصرية وتأليب الرأي العام ضد مجموعات محددة، إلا أن هذه المحاولات وُوجهت برفض واضح من الشارع العمومي لا سيما السياسي والإعلامي، إلى جانب تبني قيادة الدولة خطابًا جديدًا يركز على تعزيز قيم السلام والتسامح والمساواة، ويرفض كافة أشكال الفرز والتمييز، ويُعد هذا التحول في الخطاب العام مؤشرًا مهمًا على إمكانية بناء وعي وطني جديد يتجاوز إرث الصراعات القديمة والآنية، ويؤسس لمرحلة مختلفة تقوم على مفهوم الإعتراف بالتنوع التاريخي والمعاصر بوصفه مصدر ثراء وقوة لا عامل فقر وإنقسام؛ كما أن هذه التجربة أبرزت أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه القيادة السياسية والفكرية في توجيه الرأي العام نحو خطاب جامع يعزز من فرص الإستقرار والتلاحم الوطني، ويحد من النزعات التي تسعى إلى تفكيك المجتمع؛ فما حدث لا يمكن إعتباره مجرد رد فعل ظرفي عابر، بل يمثل فرصة تاريخية يتوجب علينا الإمساك بها بغية إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر عدالة وتوازنًا.

​إنطلاقًا من هذه المعطيات، وإستشعارًا لحساسية الراهن الوطني، يصبح من الضروري التفكير بجدية في كيفية بناء الدولة السودانية على أسس دستورية جديدة، تضمن إستدامة الإستقرار وتحقق تطلعات المواطنين في الحرية والسلام والعدالة؛ فالإيمان ببقاء الدولة وسيادتها على مؤسساتها المدنية والعسكرية وإستقلال قرارها السيادي يجب أن يترافق مع رؤية واضحة لإصلاح بنيتها وتشغيلها وفق منهج حديث يستجيب لمتطلبات المرحلة؛ وفي هذا الإطار، يبرز الحوار السوداني الجامع كمدخل أساسي لكبح كافة المؤامرات الخارجية التي تحاك في الظلام والسير نحو بناء مشروع وطني متكامل، يجيب على الأسئلة الجوهرية المتعلقة بشكل نظام الحكم ومستوياته، وآليات الوصول إلى السلطة، وضمان التداول السلمي لها وحل جميع المشكلات وفق القانون؛ كما ينبغي أن يتضمن هذا المشروع تصورًا واضحًا حول معالجة الإختلالات التنموية، من خلال تحقيق توازن حقيقي في توزيع الموارد والمشاريع الإنتاجية والصناعية بين الريف والمدينة، بما يسهم في تقليص الفجوة التنموية وتعزيز العدالة الإجتماعية، ولا يمكن تحقيق ذلك دون تبني رؤية وطنية تقوم على مبدأ المواطنة بلا تمييز، وتكفل الحقوق والحريات لجميع المواطنين على قدم المساواة؛ فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في قدرة التنظيمات السودانية على وضع هذه الرؤى، بل في القدرة على تحويلها إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، تستند إلى إرادة سياسية صادقة ومشاركة مجتمعية واسعة، وفي النهاية؛ فإن مستقبل السودان سيظل مرهونًا بمدى قدرة أبنائه على الإستفادة من دروس الماضي، وبناء حاضر جيد يؤسس لغدٍ أكثر إستقرارًا وعدالة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى