مقالات

السودان وإفريقيا: هل هنالك طريق للسلام والتنمية؟

سعد محمد عبدالله

يظل سؤال السلام والتنمية في السودان وأفريقيا واحدًا من أكثر الأسئلة حضورًا في النقاشات السياسية والفكرية والإعلامية المتعلقة بمستقبل بلادنا والقارة ككل؛ فكثيرًا ما يتحدث الساسة وقادة الرأي عن آفاق المستقبل الواعد، غير أن الحديث عن الأهداف الكبرى لا يكتمل دائمًا بتحديد المسارات العملية التي تقود إليها، ومن الصعب الحديث عن فرص حقيقية لتحقيق السلام والتنمية في ظل إستمرار النزاعات المسلحة والإضطرابات الإجتماعية الحادة التي تشهدها مناطق عديدة من القارة الأفريقية، خاصة في القرن الأفريقي وبعض دول الساحل والصحراء؛ فما تزال دولتا السودان والصومال، حتى اللحظة، تواجهان تحديات أمنية معقدة للغاية، كما تلقي التدخلات الخارجية في الحرب السودانية المستعرة، وكذلك الخلافات المرتبطة بالوضع القانوني لإقليم صوماليلاند، بظلالها على أمن وإستقرار المنطقة برمتها، وفي المقابل، تشهد دول أخرى في الساحل الأفريقي أزمات سياسية وأمنية تؤثر سلبًا في مسارها التنموي والديمقراطي، رغم ما حققته من تقدم نسبي في هذه الإتجاهات، وتؤكد هذه الوقائع، بالنسبة إلى متابعيها، أن مسارات تحقيق الإستقرار والتنمية المستدامة لا يمكن فصلها عن بناء بيئة سياسية وإجتماعية مستقرة قادرة على إدارة التنوع، وحماية مؤسسات الدولة، وتعزيز حكم القانون.

رغم ما تتمتع به أفريقيا من موارد طبيعية هائلة تشمل الأراضي الزراعية الخصبة والمياه والغابات والثروات المعدنية ومصادر الطاقة المتنوعة، فإن مؤشرات الفقر والبطالة وضعف الخدمات الأساسية ما تزال مرتفعة في العديد من الدول؛ كما تواجه القارة تحديات صحية متكررة ومتفاقمة نتيجة إنتشار المخدرات والأوبئة العابرة للحدود، الأمر الذي يضع ضغوطًا إضافية على الإقتصادات الوطنية وأنظمة الرعاية الصحية، وتبرز بعض هذه المفارقات بوضوح أكبر في أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تتعايش الوفرة في الموارد مع محدودية الإستفادة منها لصالح المواطنين، وهذه من أضخم المعضلات التي تعيق التقدم إلى الأمام، بينما نشهد تفشيًا واسعًا للفساد المالي والإداري والنزاعات المدمرة، ويعود ذلك إلى عوامل متعددة تشمل ضعف البنية المؤسسية، وغياب سيادة القانون وآليات الشفافية والمحاسبة، وتراجع الإستثمارات في قطاعات التعليم والصحة والزراعة لأسباب تتعلق بضعف القوانين والتخطيط غير الرشيد، فضلًا عن تزايد النزاعات المسلحة التي ظلت تستنزف الموارد وتعرقل جهود التنمية، ومن ثم فإن تجاوز كل هذه التحديات يتطلب إيجاد رؤية شاملة تضع الإنسان في صميم سياسات الدولة التنموية، وتربط بين الإستقرار السياسي والتنمية الإقتصادية والعدالة الإجتماعية، سواء في الريف أو المدينة.

في السودان، تمثل الحروب المتعاقبة نموذجًا صارخًا للعلاقة بين غياب الإستقرار وتراجع التنمية وفقدان بوصلة العبور نحو المستقبل؛ فقد أدت سنوات الصراع إلى إضعاف الإقتصاد الوطني الذي وصل إلى حافة الإنهيار، وتدهور الخدمات الأساسية، وإرتفاع معدلات الفقر والنزوح، الأمر الذي إنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين؛ كما أن أحد أبرز التحديات الراهنة يتمثل في غياب مشروع وطني جامع تتوافق حوله القوى السياسية والمدنية ويؤسس لدولة المواطنة والعدالة والمساواة؛ فرغم تشابه بعض مشاريعها السياسية وشعاراتها، فإنها كثيرًا ما وقعت في دوائر التناحر والتنافر، ومع ذلك، فهنالك محاولات جادة لحل الأزمة القائمة، ونقرأ ذلك في بيانات القوى السياسية بمختلف توجهاتها، إلى جانب عروض الوساطة التي تحدث عنها بيكا هافيستو، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، عقب لقائه الأخير مع الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، حيث أعرب عن تطلعاته للحفاظ على التواصل الوثيق مع الشركاء السودانيين من أجل بلورة رؤية مشتركة لبناء سودان السلام والإستقرار والتنمية، وهذا الحديث قيد الإختبار للنظر في مدى تطابقه مع الواقع؛ غير أن بناء السلام لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو إنهاء المواجهات المسلحة، بل يتطلب معالجة جذور الأزمة عبر إصلاح المؤسسات وتعزيز المشاركة السياسية وتوزيع الفرص والموارد بصورة عادلة، ومن دون توافق وطني واسع حول أهداف الدولة ومصالح المجتمع، ستظل فرص الإنتقال نحو الإستقرار والتنمية محدودة مهما توفرت الموارد أو تعددت المبادرات السياسية المطروحة.

على الرغم من هذه التحديات، فإن السودان والقارة الأفريقية يمتلكان فرصًا واعدة يمكن البناء عليها في الطريق نحو السلام بوصفه مفتاحًا لتحقيق نهضة إقتصادية وتنموية خلال العقود المقبلة؛ فقد إتجهت العديد من الحكومات الأفريقية إلى إستراتيجيات تنويع وتعزيز شراكاتها الإقتصادية والسياسية مع القوى الدولية الكبرى بهدف تطوير البنية التحتية ونقل التكنولوجيا والإستفادة من التحول الرقمي في مجالات الإدارة والحوكمة وبناء مؤسسات الدولة، وتمثل تجارب التعاون المختلفة مع دول مثل روسيا والصين وتركيا وغيرها نماذج يمكن أن تسهم بفاعلية في دعم خطط التنمية والتطور في أفريقيا إذا أُحسن توظيفها ضمن أولويات قائمة على الإرادة الوطنية والدراسات والبحوث الواضحة، والتي ينبغي أن تحكمها قوانين مشجعة للإستثمار والتجارة العابرة للقارات، وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الزيارات المتبادلة والإتفاقيات الإقتصادية التي تعزز التعاون بين الدول الأفريقية وشركائها الدوليين وفق قاعدة جديدة تُحترم فيها حدود السيادة الوطنية؛ غير أن تحقيق الفائدة القصوى من هذه العلاقات يتطلب أيضًا وضع خطط عملية ترسخ التعاون بين الدول الأفريقية نفسها عبر صناعة آليات فعالة لإدارة الحوار السياسي والتكامل الإقتصادي والتعاون الأمني تحت مظلات الإتحاد الأفريقي والمنظمات الإقليمية، بما يسهم في بناء دول أفريقية أكثر قوة وقدرة على الإندماج الإيجابي مع الإقتصاد العالمي وتحقيق تطلعات الشعوب نحو آفاق السلام والتنمية والإزدهار.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى