
السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل سعد محمد عبدالله
السودان وروسيا: علاقات تاريخية متجددة للعبور نحو المستقبل
سعد محمد عبدالله
تكشف العلاقات السودانية الروسية تطورًا متواصلًا يعود إلى تاريخ طويل وزاخر من التعاون السياسي والدبلوماسي والإقتصادي، غير أن هذه العلاقات إكتسبت بعدًا إستراتيجيًا أكثر وضوحًا عقب إندلاع الحرب في السودان، ونقرأ ذلك في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتنامي الحاجة إلى بناء شراكات متوازنة تقوم على الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة؛ فقد شكّلت زيارة القائد مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، إلى روسيا الإتحادية في يونيو 2023م محطة مهمة جدًا في مسار العلاقات الثنائية، حيث إلتقى آنذاك بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وبحث معه تطورات الأزمة السودانية والتحديات الأمنية والسياسية التي تواجه البلاد، إضافة إلى التدخلات الخارجية التي ساهمت في تعقيد المشهد الداخلي وإطالة أمد الحرب، وجاءت هذه الزيارة لتعكس رغبة السودان في صياغة سياساته السيادية نحو تنويع علاقاته الخارجية والإنفتاح على القوى الدولية المؤثرة في خارطة العالم، وفق رؤية وطنية تحقق إستقلال القرار الوطني وتحفظ سيادة الدولة السودانية؛ كما قاد القائد عقار مشاركة السودان لاحقًا في المنتدى الإقتصادي الدولي بمدينة سان بطرسبرغ خلال عام 2024م، حيث أكد مجددًا إهتمام الخرطوم بتعزيز التعاون الإقتصادي والإستثماري مع موسكو، خاصة في مجالات الطاقة والزراعة والتعدين والبنية التحتية، وهي قطاعات تُعد من الركائز الأساسية لعملية إعادة الإعمار والتنمية بعد إنهاء الحرب، وتبرز أهمية العلاقة بين السودان وروسيا نظرًا إلى الموقع الجيوسياسي المهم للسودان المطل على البحر الأحمر، وتأثيره المباشر على أمن وإستقرار الإقليم، إلى جانب الحضور الروسي المتزايد في القارة الإفريقية عبر عقد شراكات إقتصادية وأمنية متعددة الأوجه والأبعاد، مما يجعل من التعاون بين البلدين ضرورة سياسية وإستراتيجية تفرضها متغيرات الواقع الدولي الجديد.
في خضم تصاعد الأزمات الأمنية والإقتصادية في إفريقيا وخارجها، لا سيما منطقة الساحل والقرن الإفريقي، أضحت الدعوات إلى بناء نظام دولي جديد ومتعدد الأقطاب أكثر حضورًا في الخطاب السياسي والإعلامي الإفريقي، حيث يرى كثير من المفكرين والسياسيين والإعلاميين أن النظام الدولي الحالي لم يعد قادرًا على تحقيق العدالة أو ضمان التوازن في العلاقات الدولية، خاصة مع إستمرار هيمنة القطب الواحد وإستخدام سلاح العقوبات والضغوط السياسية والإقتصادية كوسائل لفرض الأجندات الدولية على الدول الضعيفة، وهنا مع الحديث عن القضايا الإقتصادية وحضور روسيا على المسرح الإفريقي فإننا ننظر بعين الإهتمام إلى مشاركة وزير المالية والتخطيط الإقتصادي د. جبريل إبراهيم في إجتماعات البنك الإفريقي للتنمية المنعقدة بمدينة برازافيل عاصمة جمهورية الكنغو مع نُظرائه من الوزراء الأفارقة، حيث ناقش المشاركون الأداء المالي وخطط البنك المستقبلية المتعلقة بتعزيز التنمية والحوكمة وتمويل المشروعات، وقد دعا الوزير إلى دعم الدول الهشة، وتمكين الشباب والنساء، وتطوير أدوات التمويل، مع مراعاة التفاوت الإقتصادي بين الدول الأعضاء بغية تحقيق تنمية متوازنة ومستدامة في القارة الإفريقية، ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التقارب السوداني الروسي في فضاء إفريقي وعالمي متحول، باعتباره جزءًا من توجه أوسع نحو إقامة شراكات صلبة قائمة على المصالح المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وقد جاء حديث الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، حول مشروع إصلاح “الأمم المتحدة 80” ليعكس إدراكًا عالميًا متزايدًا بضرورة إعادة هيكلة المؤسسات الدولية حتى تصبح أكثر فاعلية وقدرة على التعامل مع التحديات الراهنة بصورة عادلة؛ فالسودان، الذي ظل يعاني لسنوات طويلة من تداعيات الصراعات والتدخلات الخارجية، ينظر إلى هذه التحولات الدولية باعتبارها فرصة لإعادة بناء علاقاته الخارجية على أسس جديدة تضمن إحترام سيادته وكرامة شعبه ودعم إستقراره الوطني، وفي هذا الإطار، تكتسب العلاقة مع روسيا أهمية خاصة، لأن موسكو ظلت تؤكد في مواقفها الرسمية دعم وحدة وسيادة السودان ورفض أي تدخلات خارجية تستهدف مؤسساته الشرعية، إضافة إلى دعمها المستمر للخرطوم داخل أروقة مجلس الأمن والمحافل الدولية الأخرى؛ كما أن السودان ينظر إلى روسيا بوصفها شريكًا يمكن أن يسهم في تحقيق التوازن في علاقاته الخارجية، بعيدًا عن سياسات الإستقطاب والهيمنة التي أضرت بكثير من دول العالم النامي خلال العقود الماضية.
لقد عكست مشاركة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، مدير جهاز الأمن والمخابرات العامة، في الإجتماع الدولي لكبار المسؤولين المعنيين بالشؤون الأمنية بالعاصمة الروسية موسكو، مستوى التنسيق المتقدم بين البلدين في القضايا الأمنية والإستراتيجية، حيث قدم شرحًا مفصلًا حول تطورات الأوضاع السياسية والعسكرية في السودان، والإنتهاكات الجسيمة التي إرتكبتها مليشيا الدعم السريع المتمردة بحق المدنيين والبنية التحتية ومؤسسات الدولة، وأكد خلال خطابه أن السودان يعمل من أجل تحقيق السلام والإستقرار وإعادة بناء الدولة عبر مشروع وطني شامل للحوار السوداني داخل السودان، بما يتيح المشاركة لجميع القوى الوطنية دون أي إقصاء؛ كما أوضح أن عودة مؤسسات الدولة إلى العاصمة الخرطوم تمضي بصورة جيدة في إطار خطة وطنية واسعة لإعادة تطبيع الحياة العامة وإستعادة الخدمات الأساسية، موجهًا الدعوة إلى الدول الصديقة للمشاركة في جهود إعادة الإعمار والتنمية، وتناول كذلك خطورة التهديدات الأمنية الناتجة عن إستجلاب المرتزقة من أكثر من سبع عشرة دولة، معتبرًا أن هذه الظاهرة تمثل شكلًا جديدًا من الإرهاب العابر للحدود، وهو ما يهدد أمن المنطقة والإقليم والعالم، ومن هنا جاءت دعوته إلى تصنيف مليشيا الدعم السريع منظمةً إرهابية بسبب ما إرتكبته من جرائم وإنتهاكات بشعة، وقد لقيت هذه المواقف تفهمًا روسيًا واضحًا، حيث أكد المسؤولون الروس دعمهم لوحدة السودان وسيادته ورفضهم أي محاولات للتدخل في شؤونه الداخلية أو إستهداف حكومته الشرعية؛ كما شدد الجانبان على أهمية إستمرار التنسيق والتشاور وتبادل الزيارات الرسمية، بما ينسج روابط العلاقات الثنائية ويخدم مصالح الشعبين السوداني والروسي في مختلف المجالات السياسية والأمنية والإقتصادية، وتعزيز دعائم السير معًا في الطريق نحو المستقبل.
إن مستقبل العلاقات السودانية الروسية يبدو واضحًا وواعدًا في ظل نمو الإرادة السياسية المشتركة لدى قيادتي البلدين لتطوير التعاون الثنائي وتعزيز الشراكة الإستراتيجية بما يحقق المصالح المتبادلة ويدعم الأمن والإستقرار الإقليمي والدولي؛ فالسودان يمتلك إمكانيات إقتصادية وموارد طبيعية ضخمة وموقعًا جغرافيًا مهمًا يؤهله ليكون شريكًا فاعلًا في المشاريع الإقتصادية والإستثمارية الكبرى، بينما تمتلك روسيا خبرات واسعة في مجالات الطاقة والتعدين والزراعة والصناعات العسكرية والتقنيات الحديثة، الأمر الذي يفتح المجال أمام تعاون مثمر يمكن أن يسهم في دعم الإقتصادين السوداني والروسي؛ فالتحولات الجارية في النظام الدولي تدفع كثيرًا من الدول إلى البحث الدائم عن شراكات جديدة تقوم على أساس المصالح المشتركة بعيدًا عن الهيمنة السياسية والإقتصادية التقليدية، وهو ما يمنح السودان فرصة لإعادة صياغة علاقاته الخارجية بصورة أكثر إستقلالًا، ومن المهم أن تستثمر الخرطوم هذه العلاقات الجيدة في عملية بناء مشاريع تنموية حقيقية تعود بالنفع على المواطنين، وتوفر فرص العمل، وتدعم جهود الإستقرار السياسي والإجتماعي والإقتصادي؛ كذلك فإن إستمرار التنسيق السياسي بين البلدين داخل المؤسسات الدولية يمكن أن يسهم في تعزيز فرص السلام ودعم القضايا العادلة للشعوب النامية والمهمشة، خاصة في ظل التحديات العالمية المتزايدة المرتبطة بالأمن والغذاء والطاقة والهجرة والنزاعات المسلحة، ونعتقد أن السودان وروسيا يقفان اليوم أمام فرصة حقيقية لتقديم نموذج جديد من العلاقات الدولية يقوم على قواعد الإحترام المتبادل والتعاون المثمر والرؤية المشتركة لعالم أكثر عدالة وتوازنًا، وهي فرصة ينبغي علينا إستثمارها بحكمة ومسؤولية من أجل مستقبل أفضل للشعبين وللمنطقة بأسرها.