الأعمدةتأملات

السيد محمد عثمان الكبير .. القندول الشقلب الريكة

تأملات
جمال عنقرة

كان الناس عندما يقولون قديما السيد محمد عثمان الكبير، يقصدون السيد محمد عثمان الجد المؤسس للطريقة الختمية الميرغنية، لكنني عندما اقول اليوم السيد محمد عثمان الكبير، فاعني السيد محمد عثمان الحفيد نجل السيد علي الميرغني، الذي صار اليوم كبيرا في كل شئ، فهو كبير أهل السودان بلا مقارب، كبير مقام ومكان، وكبير نفس، وهمة، وكبير عمر أمد الله في عمره، وجعله ذخرا للدين والوطن.
السيد محمد عثمان الميرغني اليوم هو بطل وزعيم الساحة السياسية وغير السياسية كذلك، وليس ذلك علي الرجل بغريب، ورغم أنه لم يكن في يوم من الأيام الأقرب إلى من مجايليه من الزعماء السياسيين السودانيين كلهم، السيد الإمام الصادق المهدي، والشيخ الدكتور حسن عبد الله الترابي، والشريف زين العابدين الهندي، وحتى السيد محمد إبراهيم نقد يرحمهم الله، لكنني كنت – ولا زلت – أقول أنه الأضبط لخطواته، وكلماته، وأنه ظل طوال تاريخه السياسي الأكثر وزنا واتزانا، وهو أكثر من يجيد إختيار الموقف والقول المناسب في الوقت المناسب، وأنه يحسن التعبير عن موقفه ويصبر عليه، وبين أيدينا مواقف عدة.
فعندما خرج من السودان بداية عهد الإنقاذ بعد أن تم إطلاق سراحه، وتوجه لقاء مصر، أسس التجمع الوطني المعارض، واستطاع أن يحشد فيه كل أطراف المعارضة السياسية والعسكرية رغم ما بينها من خلافات، ولما قال الرئيس السابق عمر البشير “جبناها بالبندقية، والدايرها يشيل البندقية” رد عليه بقوله المشهور “سلم تسلم” واتبع القول بالفعل، ففتح معسكرات للتدريب العسكري في ارتريا، وكون حزبه الإتحادي الديمقراطي جيش الفتح، وشكل حليفه حزب الأمة “جيش الأمة” وظل صابرا ورابطا ومرابطا علي ذات الموقف “سلم تسلم” وعقد أهم مؤتمر للمعارضة السودانية، مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية عام ١٩٩٥م، الذي حسم كثير من القضايا المهمة، ولما جنح نظام الإنقاذ للسلم، جنح مولانا أكثر منه، وعاد إلى أرض الوطن بعد نداء القاهرة، وشارك في الحكومة تحملا للمسؤولية الوطنية، وصبر علي هذه المشاركة رغم تقلبات الظروف والأحوال، واعتبر ذلك مدخلا للوفاق والتوافق، الذي رفعه شعارا له لم يحد عنه يوما قط.
ولما سقط نظام الإنقاذ بثورة ديسمبر المجيدة، وتكالبت القوي السياسية كلها تقريبا لميراث تركة الحكم حقا وباطلا، وظل الجميع يسعون لاقصاء بعضهم بعضا، لم يحد مولانا عن دعوة الوفاق، ولم الشمل الوطني، ولما صارت القوي السياسية السودانية، كبيرها وصغيرها تلهث وراء الدول الداعمة، والضاغطة لتجيير الموقف السوداني لغير صالح أهله، وفي غير إتجاه خياراتهم العقائدية والوطنية، ظل مولانا مرابطا في فيلا طيبة” بشارع الخرطوم، في قاهرة المعز لدين الله الفاطمي يزود عن حياض الدين والوطن، ويدعو للم الشمل الوطني.
ولما “دخل الكلام الحوش” دخل مولانا الساحة بكل ثقله، وقال قولا فصلا حسم فيه موقفه، وموقف حزبه المنحاز للخيارات الوطنية، ولقد ظلت دعوة والده السيد علي الميرغني رضي الله عنه وأرضاه للجمهورية الإسلامية حاضرة عنده لم تغب أبدا، ولما اختار إبنه السيد الحسن موقفا متماهيا مع القوي التي تسعي لأن تسلب الوطن والمواطنين ارادتهم تبرأ منه، بل رفض أن يكون ضمن مستقبليه في مطار الخرطوم يوم عودته الميمونة إلى أرض الوطن، ورفض النزول من الطائرة قبل أن يخرج ومعه ابن عمه السيد إبراهيم الميرغني، وتخرج معهما المجموعة العسكرية التي ناصرتهما، واحتلت لهما دور الحزب في الخرطوم وبحري.
لقد حسمت مواقف مولانا السيد محمد عثمان الواضحة، المتسقة والمتناسقة، والتي توجها بالعودة إلى البلاد في أخطر مراحل تاريخها المفصلية، حسمت الصراع بشكل واضح، ورجحت كفة الخيار الوطني، ولم يعد هناك فرصة لمكون مدني أو عسكري، ولا لقوة إقليمية أو دولية، أن تقود أهل السودان، أو حتى تدعوهم مجرد دعوة للتنازل عن خياراتهم، فصار مولانا كما يقول المثل الشعبي السوداني “القندول الشقلب الريكة” ولقد بايعه كل الوطنيين السودانيين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم، واحزابهم، بايعوه قائدا وزعيما ورائدا للتيار الوطني العريض.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى