
الشهيد خليل إبراهيم .. صورة من قريب
تأملات
جمال عنقرة
يتداول الناس هذه الأيام في المواقع الاسفيرية المختلفة خطابا صادرا من وزارة المالية خاصا بإستثناء نجل الشهيد الدكتور خليل إبراهيم من قيمة جمركية لإدخال سيارة إلى البلاد، ورغم أني بعد ما سمعت منطق بعض الجهات ذات الاختصاص، لم أجد الأمر يختلف عن الاستثناءات التي تمنح للمغتربين أو المبتعثين للخارج حال عودتهم إلى البلاد بصورة نهائية، ولذلك أعتقد أن كثيرا مما يقال هو محاولات للاصطياد في مياه عكرة، وأعتقد كذلك أن الذين يروجون لبعض الاتهامات لا يعرفون الشهيد ولا يعرفون أسرته، ولا يعرفون سيرته ومسيرته، وليعرف الذين لا يعرفون أكتب هذا المقال الذي يحمل بعض ملامح مهمة من حياة الشهيد، وأعتقد أني أعرفه له الرحمة والمغفرة، كما لا يعرفه كثيرون غيري.
معرفتي للشهيد خليل تعود إلى أربعة عقود من الزمان بالتمام والكمال، وقد تزيد قليلا، ولقد عرفته عندما كان طالبا في كلية الطب جامعة الجزيرة، وكنت وقتها مسؤولا عن مكتب المناشط في أمانة الطلاب الإتحادية في الحركة الإسلامية السودانية، وعلي ذكر أمانة الطلاب، لا بد من ذكر رفقائها، فلهم من بعد الله تعالي فضل في أن تضع هذه الأمانة بصمة مميزة في مسيرة العمل الطلابي عامة، وفي مسيرة الطلاب الإسلاميين بصفة خاصة، وفي المناشط الطلابية بصفة أخص، والتي رشحت لها من خريجي الجامعات المصرية من الإسلاميين، بتوصية من الشيخ الراحل الدكتور حسن الترابي له الرحمة والمغفرة لتأسيس مكتبها، والذي كان للشهيد خليل وارملته الأخت زينات علي يوسف دور كبير في تحقيق كثير من نجاحاته، وكانت تضم تلك الأمانة، الدكتور إبراهيم أحمد عمر، إبراهيم عبد الحفيظ، محمد حامد البلة، الشهيد موسي سيد أحمد، صلاح قوش، أحمد محمد تاجر، عبد القادر محمد زين، عطا المنان بخيت، المرحوم بابكر أحمد المصطفي، وشخصي.
كنت قد اعتمدت سياسة الانفتاح العام في كل المناشط، واخترت منطقة الجزيرة لتكون مثالا نبدأ فيه التجربة ثم نعممها، ولقد وقع إختياري علي الجزيرة، لقربها من الخرطوم، ولطبيعة أهلها التي تقوم علي الانفتاح والتواصل الحميم، ثم لمعرفتي بالذين يقودون العمل الإسلامي هناك، وكان يقود أمانة التنظيم أخي وصديقي الشهيد هاشم الخطيب، ويقود أمانة الطلاب أخي عبد العاطي عبد الخير، ويعاونه في المناطق الثلاث الأخوة خلف الله إبراهيم، ومحمد سليمان، ويعقوب المدني، فطلبت من الأخوة هاشم وعبد العاطي ترشيح من يمكن أن اجعله مسؤولا عن مكتب المناشط في الجزيرة، واشترط عليهما أن يكون من قلب الجزيرة، حاضرتها مدني السني، فرشحوا لي الأخ عبد الوهاب أحمد سعد، وكان وقتها لا يزال طالبا في جامعة الجزيرة، فكان ترشيحه سببا في أن أركز عمل المناشط في جامعة الجزيرة، وأجعل من طلابها رماة له، فجلست فترة طويلة للأخ عبد الوهاب يحدثني، عن الجامعة وطلابها، لا سيما الإسلاميين منهم، فلفت نظري منهم اثنان،خليل إبراهيم، ومالك، وكلاهما كانا يدرسان في كلية الطب، وكلاهما من غير أبناء الجزيرة، وكلاهما أيضا من إقليم دارفور، وأكثر ما لفت نظري فيهما، أنهما بينما كانت قائمة الإتجاه الإسلامي تسقط في انتخابات إتحاد طلاب الجامعة، كانا يحرزان أعلي الاصوات متفوقين علي كل المرشحين، فعلمت أن الطلاب في جامعة الجزيرة في ذاك الزمان وكان عددهم نحو اربعمائة فقط، كانوا يصوتون للشخص وليس للقائمة، وكانوا يمنحون أصواتهم إلى من يثقون فيهم من المرشحين، وكان خليل ومالك محل ثقة كل طلاب جامعة الجزيرة تقريبا، ولهذا كانا ينالان أعلي الأصوات في الإنتخابات، ويتفوقان علي الجميع.
ولما يتمتع به الشهيد خليل من صفات قيادية، وصديقه مالك، اتخدت منهما نواة لعمل المناشط في جامعة الجزيرة، وفي الجزيرة كلها، وكان من الطلاب الإسلاميين في الجامعة الذين لهم قبول، ويحسنون التصرف، الأخوة أحمد عبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد الفاضل حسن بشير، ثم انضمت إليهم مجموعة من أبناء قلب مدينة ود مدني كانت لي بهم صلات قوية منذ أن كانوا طلابا في مدرسة مدني الثانوية، اشهرهم الأخ جمال عبد العال خوجلي، مؤسس ومدير كلية الجزيرة التقنية، ودخل الجامعة في ذاك العام الأخ عصام الترابي، وتم تعيين الأخت زينات علي يوسف معلمة في كلية المعلمات مدني، وزينات كانت واحدة من فريق المناشط المميز معي في كلية البنات جامعة أم درمان الإسلامية مع زميلاتها جميلة عوض الطيب لها الرحمة والمغفرة، وسلوي حسن صديق، وسعاد عبد الله، وكوثر كامل، وعلوية عبدالله، وترك في ذاك العام الأخ عبد الله عبد العال الدراسة في مصر وعاد السودان ليمتحن الشهادة السودانية مرة أخري، وعبد الله كان قد استفاد كثيرا من العام الذي قضاه في مصر، وكان فيه من الناشطين الفاعلين، فشكل هؤلاء جميعا قوة ضاربة لعمل المناشط في مدني، وكان لكل واحد منهم بصمته.
صلتي بالأخ الشهيد خليل تعمقت كثيرا خصوصا بعد أن ارتبط بالاخت زينات علي يوسف، التي كانت صلتي معها قوية جدا، ولم أر في العمل العام أميز منها فكرا وثقافة، وحركة، وضبطا للأشياء، وأذكر لما لم أتمكن من الحضور إلى مدني لزواجهما، حجزت لهما في فندق إفريقيا بشارع إفريقيا مواجه المطار، ثم اقمت دعوة عشاء علي شرفهما في بيتي، وكنت أسكن وقتها الكلاكلة، ودعوت لها بعض أصحابنا الذين لم يتمكنوا من شهود الزواج في مدني، وأذكر منهم، خالد التجاني النور، ومحمد محجوب هارون، ومزمل عبد الله، وماجد يوسف يحي، وكان ذلك في العام ١٩٨٦م.
عندما خرجت من السودان غضبان اسفا لما ظللت أتعرض له من ظلم واستهداف من قبل الأجهزة الأمنية، خرجت من السودان في العام ٢٠٠٧م صوب وطني الثاني مصر، أو الأول كما تقول الغالية الدكتورة هدي حامد مدير مستشفي أحمد قاسم، وكان خيار الإنضمام إلى المعارضة عندي غير مستبعد، وكانت حركة العدل والمساواة هي الأقرب بالنسبة لي، علي الأقل تجمعني مع كل قياداتها قواسم مشتركة عظيمة، لكنني وجدت ذلك لا يستقيم مع تاريخي الذي يقوم كله علي السعي لأن يقبل السودانيون بعضهم بعضا، ويعيشون في توافق وسلام، فعملت علي استغلال العلاقة بيني وبين قادة الحركة، في مد جسور الوصل والتواصل بينهم وبين الحكومة، وكان الشهيد خليل أول وأكثر المرحبين من جانب الحركة، وكان أولهم واقواهم في المؤتمر الوطني الأخ البروفيسور إبراهيم غندور، وكان يتولي وقتها الأمانة السياسية للحزب، وافحلت بحمد الله وتوفيقه من عقد أكثر من جلسة بين قيادات في حركة العدل والمساواة، وبين الحكومة والمؤتمر الوطني، وشارك في هذه الجلسات من الحركة، الأخوة المهندس ابو بكر حامد نور، وأحمد آدم بخيت، وأحمد تقد لسان، وأحمد حسين آدم، وكان الأخوان محمد شرف مدير مكتب الحركة في القاهرة، والشهيد جمالي حسن جلال الدين، كانا حضورا في كل تلك الجلسات، وكانا ينسقان لها، أما من الجانب الحكومي فكان يشارك فيها علي الدوام نائب رئيس البعثة الدبلوماسية السودانية في مصر السفير إدريس سليمان، ويمثل المؤتمر الوطني الدكتور كمال حسن علي الذي كان وقتها مديرا لمكتبه في مصر، وكان للسفير إدريس ودكتور كمال دور عظيم في ذلك، وشارك في واحدة من الجلسات السلطان عثمان محمد يوسف كبر، وإلى شمال دارفور آنذاك، وكان قد جاء مصر مرافقا زوجته مستشفية، وبعد تواصل المساعي، وتقارب الأفكار تم تكليفي مع الأخ أبوبكر حامد نور لإعداد مشروع مذكرة تفاهم بين الحكومة والحركة، عكفنا عليها أياما وليال، وكان يتابع معنا الشهيد خليل أولا بأول، ومن السودان البروف غندور، وكان السفير الشفيع أحمد محمد معنا علي الدوام علي الخط، وكان وقتها سفيرا للسودان في سلطنة عمان، ولما اكتمل كل شئ قلب الأمن السوداني الطاولة في وجه الجميع، وكان ذلك قبل ثلاثة شهور فقط من عملية الذراع الطويل التي اقتحمت فيها قوات الحركة العاصمة السودانية الخرطوم، من ناحية العاصمة الوطنية أم درمان، والتي فيها الشهيد خليل ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، تقدم الصفوف وقاد القتال بنفسه، ومعه إخوانه وأهل بيته، وأقرب الأقربين له، وقادة حركته المميزين المتميزين، منهم من قضي نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا.
تلك بعض ملامح بسيطة جدا مما أعرفه معرفة مباشرة عن الشهيد خليل وأهل بيته الكرام، ولن اقول شيئا بعد ذلك. والسلام.