
تأملات
جمال عنقرة
العسكريون الخمسة أعني بهم الأعضاء العسكريين الخمسة في مجلس السيادة، وهم بالطبع معروفون للجميع، أما الشهور الأربعون، فهي الشهور التي مرت منذ سقوط نظام الإنقاذ وحتى يومنا هذا، وهي كافية لتغيير أوضاع كثيرة، لا نعتقد أن شيئا منها قد تغير، وما حدث له تغيير فهو في الغالب إلى الأسوأ.
وقبل الحديث عن الأوضاع التي كان ينبغي أن تتغير، ولا بد أن تتغير اليوم قبل الغد بإذن الله تعالى، لا بد من توضيحات مهمة، أولها توجيهي الخطاب للسادة العسكريين الخمسة وحدهم، ولم اوجهه إلى المؤسسة العسكرية التي يحكمون باسمها، ولقد فعلت ذلك لقناعتي أنهم لا يتحركون من موقف موحد يمثل المؤسسة العسكرية الموحدة، ولعل ذلك لا يحتاج إلى شرح ولا إلى توضيح، وكما يقول صديقنا الشهيد محمد طه محمد أحمد أن راعي الأغنام في الخلاء يعلم تفاصيل خلافات واختلافات العسكريين في مجلس السيادة، لذلك لا يصح أن نعتبر مواقفهم هي مواقف المؤسسة العسكرية، وهذا توضيح مهم حتى لا يتمادى البعض في الخلط المخل. ومهم كذلك أن نقول أن عدم وجود موقف موحد لدي العسكريين السياديين الخمسة معبر عن المؤسسة العسكرية، ومنسجم معها، لا يعني أنه لا يوجد بينهم من يعبر عن المؤسسة العسكرية، فيوجد بينهم من يعبر عن جيش الوطن،وهم بالطبع أكثر من واحد، ولكن وجود صوت نشاذ يفسد الإيقاع.
أول ما كان ينبغي أن ينتهي، ولا بد أن ينتهي، أن تظل الفترة الإنتقالية هكذا بلا بارقة أمل في أن تصل إلى نهايات حميدة، وما يقول به السيد الرئيس ونائبه من تأكيد علي خروج العسكريين من العملية السياسية، وتسليم الحكم إلى من يتوافق عليه المدنيون أو ينتخبونه، هو قول لا يمكن أن يتبعه فعل، ومعلوم أن السيد البرهان كان قد قال بما يشبه ذلك قبل نحو عشرة شهور أو يزيد، تحديدا في الخامس والعشرين من شهر اكتوبر العام الماضي، ومنح القوي السياسية مهلة شهر للتوافق، ومرت عشرة شهور، ولم يتوافقوا، ولم يفعل شيئا عمليا في طريق الإنتخابات التي يمكن أن تكون الطريق البديل، ولم يتفق هو ونائبه علي رؤية موحدة للعبور، وهذه أزمة يسأل عنها العسكريون الخمسة وحدهم، ولا أحد سواهم.
معروف عن العسكريين في كل مكان، وفي السودان بصفة أخص، أنهم لا يتهاونون في سيادة البلد وكرامتها، ولعل الرئيس المشير جعفر محمد نميري له الرحمة والمغفرة هو المثال الاشمخ في ذلك، وله في ذلك مواقف يعتز بها خصومه من السياسيين الوطنيين قبل مناصريه، ومؤيديه، ولست في حاجة إلى ذكر “بركاوي” المشير البشير، إلا أن ما يحدث من استباحة إلى بلدنا، وإهانة إلى كرامتنا في هذا العهد لم يحدث لها مثيل، ومعلوم ما يفعله بعض السفراء وبعض المبعوثين الذين يعيثون في بلدنا فسادا وافسادا.
ليست لدي خصومة تاريخية مع قوي إعلان الحرية والتغيير، بل كنت من الداعمين لتسميتهم ممثلا للمكون المدني للثورة، ولي في ذلك كتابات كثيرة، ومع أن قوي الإعلان لم تستفد من الفرصة السابقة التي اتتها من السماء، باطماع غير مشروعة، وصدق المثل القائل “الطمع ودر ما جمع” فاضاعوا فرصة تأسيس ديمقراطية مستدامة راسخة، بسعيهم للحكم بغير تفويض وتصفية كل حساباتهم القديمة، المستحقة، وغير المستحقة، فما داموا لم يستفدوا من هذه التجربة، ويعملون علي إعادة إنتاج ذات الأزمة القديمة، فلا يصح لأحد من العسكريين أن ينصرهم، أو ينحاز إليهم مهما تناصروا بقوي إقليمية أو دولية، وتكون الكارثة أكبر عندما تكون نصرتهم خذلانا للمؤسسة العسكرية، التي لا تبتغي الحكم، ولا تستهدفه، وإنما تسعي إلى رد الأمانة إلى أهلها، وأهلها هم شعب السودان، والرد يكون بالتراضي، أو بالتنافس الشريف، وإذا عجز الخمسة عن تحقيق ذلك، فالمؤسسة العسكرية والدة.