الأعمدةتأملات

القوي السياسية .. العفش داخل البص علي مسؤولية صاحبه

تأملات
جمال عنقرة

تعود بي الذاكرة إلى بداية سبعينيات القرن الماضي إلى عطلة دراسية صيفية صادفت خريفا ماطرا في مسقط راسي عروس النيم مدينة ام روابة حاضرة شرق كردفان، وكنا مجموعة من الأصدقاء نلعب الكوتشينة في ديوان منزلنا العامر في حي اديب الذي كان ملتقي لشباب الحي، وكنا كالعادة نلعب كونكان ١٤ كل زميلين مع بعض، ولما لم يكن هناك انسجام بين الزملاء اقترح احدنا ان نلعب (حريق) اي كل إنسان لوحده، فمعنا احد الأصدقاء يعمل سمسار قسمي اللعبة (خلص نفسك) الا ان صديقا آخر يعمل سائق وصفها ب(العفش داخل البص علي مسؤولية صاحبه) فاضحكنا الوصف كثيرا وكان اهل ام روابة في ذاك الزمان حديثي عهد بالبصات.
تذكرت هذه الواقعة امس وانا أتحدث مع بعض الأصدقاء عن الحوار السوداني السوداني الشامل الذي لا يستثني احدا، وقد صار ضرورة ملحة، أما ان تقود الحكومة عبر قيادة المجلس السيادي حوارا جادا، وصادقا، او ان تجد نفسها محاصرة بحوار مفروض عليها من الخارج يفرض اجندة غير وطنية ويعيد إلى السطح قيادات من مزبلة التاريخ، او ان يزداد عليها وعلينا الشعب المغلوب مزيد من الضغط الإقليمي والدولي.
ولما جاء الحديث عن مشاركة القوي السياسية وقفت عند رايي الذي اذكره دوما ان تكون المشاركة في الحوار بالكيانات الفردية لا الجمعية، واعني الأحزاب والقوي السياسية وحركات الكفاح المسلح، ومكونات المجتمع المدني الاخري، اما المجموعات السياسية فهي تكوينات غير منسجمة ولا تعبر عن واقع حقيقي، ومتداخلة مع بعضها، مثل الكتلة الديمقراطية والجبهة الوطنية والحراك السياسي وتسع والجبهة الشعبية وتنسيقية القوي الوطنية والعودة إلى منصة التاسيس وغيرها، وكما هو معلوم ان بعض الأحزاب والحركات لديها عضوية فاعلة في ثلاثة او يزيد من هذه المجموعات، ثم ان المجموعة تضفي علي البعض قوة وهمية، مثل الخفير الذي قال ان راتبه الشهري هو وناظر المدرسة مائة جنيه، والحقيقة ان راتب الناظر تسعون جنيها، وراتب الخفير عشرة جنيهات، لذلك ان المشاركة عبر المجموعات لن تكون عادلة، وليشارك كل حزب او حركة لوحده حسب كسبه، وقدر وزنه، والعفش داخل البص علي مسؤولية صاحبه.
والاهم من هذا كله ان تستعجل القيادة قرار إطلاق الحوار السوداني السوداني الشامل، داخل السودان، واقترح ان ينطلق في اليوم الأول من شهر يناير عام ٢٠٢٦م الذي يصادف الذكري السبعين لاستقلال السودان، وتحتضنه ام درمان العاصمة الوطنية البقعة مبروكة الإله والدين، ويمهد له السيد الرئيس البرهان بإعلان عفو عام عن كل من ظلم واجرم سياسيا، او تمرد عسكريا، او خان الوطن، او والي الخصوم، وان الشرط الوحيد للمشاركة الإيمان بالحل السياسي الوطني عبر الحوار، ونبذ العنف، وان تضمن الحكومة الدخول والخروج لكل راغب في المشاركة، واقترح ان تكون مظلته الخارجية مبادرة دول الجوار التي تقودها مصر اخت بلدنا الشقيقة القريبة، التي نضمن ألا تتآمر علينا ولا تخذلنا، ولندعو العالم كله ليكون شهودا وشاهدا علي عبقرية السودان والسودانيين، ليشاهد ويشهد كيف يتجاوز السودانيون اكبر أزمة وتحد يتعرضون له، وكيف يحولون المحنة إلى منحة باذن الله القادر العظيم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى