الأخبار

*الكاميرا الجارحة* *حسين خوجلي* *إني والله أبادر بها أيامي الخالية*

*الكاميرا الجارحة*

*حسين خوجلي*

*إني والله أبادر بها أيامي الخالية*

 

الرواي الحكواتي والمؤرخ نجحوا نجاحًا منقوصًا في سردياتهم للتاريخ العربي والإسلامي قديمه وحديثه، وجعلوا أكبر غاياتهم توثيق حياة الخلفاء والأمراء والبِلاط والمغازي والحروب، وبعض ما يُحيط بهؤلاء من أقاصيص وحكايات ومآثر، بيد أنهم عجزوا تمامًا عن التوثيق المُعمق لأحشاء المجتمعات العربية والإسلامية في عصور هؤلاء الخلفاء والقادة والأمراء.

أما الكتب التي تتحدث عن الشعب، أو ما يسمى في بعض التعريفات بالدهماء والعامة، وما يسمى حديثًا بالجماهير وملح الأرض، فإن الزاد في ذكر أحوالهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية شحيح إن لم يكن معدومًا، ولعمري إن أي أمة لا تهتم بتوثيق أحوال جماهيرها وصناع الحياة الحقيقية فيها فهي أمة لن تُكتب لها الحياة ولن تضيف للحضارة الإنسانية إلا هذه البروتوكولات الميتة التي نراها اليوم متمثلة في القصور الجمهورية والسرايات الملوكية والأميرية، تلك التي تبرز ثمراتها المُرة في الوزارات والاجتماعات، تلك التي لا يخرج منها من أعمال وأقوال إلا هذه الخطابات الخشبية الميتة المحفوظة الرتيبة التي كلما استمعت لتقريرها عبر القنوات والإذاعات والصحف (تحسست مسدسي) ومن قلب تلك القراءات الكلاسيكية دائمًا ما تُطل رواية شاردة أو سيرة مخبوءة أو حكاية ذات مغزى لفرد منسي من هذه الجماهير، إذا تحدث أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع.

ومن هذه المرويات التي استوقفتني والتي أرجو، عزيزي القارئ، أن تولد منها ألف حكمة ومعنى ما روي عن سيدنا الصحابي ابن الصحابي العالم والفقيه والمجاهد عبد الله بن عمر وقصته مع راعي الغنم صاحب العبارة الشعرية الرشيقة (إني والله أبادر بها أيامي الخالية). قيل أن :

خرج ابن عمر في بعض نواحي المدينة، ومعه أصحاب له، ووضعوا سفرة له، فمر بهم راعي غنم، قال: فسلم، فقال ابن عمر: هلم يا راعي، هلم، فأصب من هذه السفرة، فقال له: إني صائم، فقال ابن عمر: أتصوم في مثل هذا اليوم الحار، شديد سمومه، وأنت في هذه الجبال ترعى هذا الغنم؟ فقال له: (إني والله أبادر بها أيامي الخالية)، فقال له ابن عمر وهو يريد اختبار ورعه، فهل لك أن تبيعنا شاة من غنمك هذه، فنعطيك ثمنها، ونعطيك من لحمها ما يكفيك وعيالك؟ فقال: إنها ليست لي بغنم، إنها غنم سيدي، فقال له ابن عمر: فما عسى سيدك فاعلاً إذا فقدها، فقلت: أكلها الذئب، فولى الراعي عنه مُستنكِراً، وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله؟ قال: فجعل ابن عمر يردد قول الراعي، وهو يقول: قال الراعي: فأين الله؟ قال: فلما قدم المدينة، بعث إلى مولاه، فاشترى منه الغنم والراعي،فأعتق الراعي، ووهب له الغنم.

(ياسلام)

 

*حسين خوجلي*

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى