الأخبار

*المرة وصمت العالم.. أيُّ سلامٍ يُبنى فوق جماجم الأبرياء؟* *كابتن طيار / عادل المفتي .. يكتب* 

*المرة وصمت العالم.. أيُّ سلامٍ يُبنى فوق جماجم الأبرياء؟*

*كابتن طيار / عادل المفتي .. يكتب*

بينما يجتمع الساسة والدبلوماسيون في القاعات المكيّفة للحديث عن السلام والحوار ومستقبل السودان، كانت دماء الأبرياء – بحسب ما تداوله الأهالي والشهود – تسيل في قرية المرة في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك. فقد أسفرت المجزرة عن استشهاد أكثر من 64 مدنيًا في المرة والقرى المجاورة المتأثرة بالهجوم، وسط أعمال قتل ونهب وسحل ارتُكبت بواسطة عربات الدفع الرباعي، بالإضافة إلى عشرات الجرحى والمفقودين في ديار دار حامد بشمال كردفان. وكانت صرخات النساء والأطفال ترتفع فوق ركام الفاجعة، في واحدة من أكثر الصور قسوةً وإيلامًا التي عرفتها الحرب السودانية بعد مجازر الجنينة والفاشر وود النورة وغيرها من المآسي.

 

في المرة أيضًا، لم يكن الناس في متاريس القتال، ولم يكونوا طرفًا في معركة عسكرية. كانوا في مناسبة زواج، في ليلة فرح أراد أهلها أن ينسوا – ولو لساعات قليلة – أوجاع الحرب، فإذا بالمناسبة تتحول إلى مأتم جماعي، وإذا بالعريس الذي كان ينتظر بداية حياة جديدة يصبح واحدًا من ضحايا مشهد دموي صادم هزّ وجدان كل سوداني حر.

 

إن الجريمة بحق المدنيين، أيًّا كان مرتكبها، ليست حادثًا عابرًا يمكن تجاوزه ببيان باهت أو بصمت سياسي مريب. إنها طعنة في قلب السودان نفسه، وفي قيمه التي عُرف بها عبر تاريخه الطويل؛ قيم الشهامة والنجدة واحترام حرمة الدم.

 

لكن الأكثر إيلامًا من الجريمة نفسها هو الصمت الذي أحاط بها.

 

أين الذين يملأون الدنيا حديثًا عن حقوق الإنسان؟ أين الذين لا يتركون منبرًا إلا وتحدثوا فيه عن العدالة والديمقراطية والدولة المدنية؟ أين الأحزاب والقوى السياسية والمنظمات التي نصّبت نفسها حارسًا للقيم الإنسانية؟

 

لماذا يخفت الصوت عندما يكون الضحايا من أبناء القرى المنسية؟ ولماذا تصبح دماء بعض السودانيين أقل قيمةً في ميزان السياسة؟

 

إن كل من يلتزم الصمت أمام قتل المدنيين يفقد الحق الأخلاقي في الحديث عن العدالة. وكل من يدين الجرائم عندما يرتكبها خصومه ويتجاهلها عندما تصدر من حلفائه يمارس انتقائيةً سياسيةً رخيصة لا علاقة لها بالمبادئ.

 

أما الحديث عن الديمقراطية في ظل استمرار الانتهاكات ضد المدنيين فهو حديث يفتقد إلى المصداقية. فالديمقراطية لا تأتي على ظهر المركبات العسكرية، ولا تُبنى فوق القبور، ولا تُفرض بإرهاب القرى وترويع السكان. الديمقراطية تبدأ من احترام الإنسان وحقه في الحياة والأمن والكرامة.

 

واليوم تتجه الأنظار إلى اللقاءات السياسية التي تُعقد تحت رعاية أطراف إقليمية ودولية، رباعيةً كانت أم خماسيةً، بأشكالها الجديدة وأجنداتها القديمة المتجددة، وبدعوى البحث عن مخرج للأزمة السودانية. وهنا يحق للسودانيين أن يطرحوا سؤالًا مشروعًا ومؤلمًا:

 

أي رسالة تُرسل إلى الضحايا عندما تُعقد الموائد السياسية بينما تتواصل الاتهامات بارتكاب المجازر والانتهاكات ضد المدنيين؟

 

وأي معنى للسلام إذا لم يبدأ أولًا بإدانة قتل الأبرياء ومحاسبة المسؤولين عنه؟

 

إن المجتمع الدولي مطالب بأن يجيب بوضوح عن هذا التناقض الأخلاقي. فلا يكفي الحديث عن الحوار ووقف الحرب بينما يشعر الضحايا أن العالم يتعامل مع مأساتهم باعتبارها مجرد تفصيل جانبي في لعبة التوازنات السياسية.

 

إن اللقاءات التي تُعقد اليوم في إثيوبيا أو غيرها لن تصنع سلامًا حقيقيًا إذا تجاهلت صرخات الضحايا وآلام الأسر الثكلى. فالسلام الذي لا يقوم على العدالة يتحول إلى هدنة مؤقتة، والعملية السياسية التي تتجاوز حقوق الضحايا تصبح مجرد صفقة بين النخب.

 

إن السودانيين لا يريدون انتقامًا، بل يريدون حقيقة وعدالة ومحاسبة. يريدون أن يسمع العالم صوت المرة ودار حامد كما سمع أصوات ضحايا الحروب في أماكن أخرى. يريدون معيارًا واحدًا للإنسانية، لا معيارين؛ واحدًا للحلفاء وآخر للخصوم.

 

إن دماء أبناء المرة ليست بندًا تفاوضيًا على طاولة سياسية، وليست رقمًا في تقرير إخباري عابر. إنها أمانة في أعناق كل صاحب ضمير، واختبار حقيقي لكل من يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان.

 

سيظل السؤال قائمًا أمام القوى السياسية والعسكرية، وأمام المجتمع الدولي كله:

 

هل تريدون سلامًا حقيقيًا للسودان؟

 

أم تريدون فقط إدارة الحرب حتى يجد القتلة مخرجًا سياسيًا، وتُطوى صفحات الضحايا في صمت؟

 

إن الأمم التي تتجاهل العدالة لا تصنع سلامًا، بل تؤجل الانفجار.

 

وإن دماء الأبرياء في المرة ودار حامد ستظل شاهدة على من أدان، وعلى من صمت، وعلى من حاول أن يحوّل المأساة إلى خبر عابر أو ورقة سياسية مؤقتة. فالتاريخ لا ينسى، وذاكرة الشعوب لا تمحوها البيانات ولا الاجتماعات ولا التسويات التي تتجاوز حقوق الضحايا.

 

ولن يكون هناك سلام مستدام في السودان ما لم تُحترم حرمة الدم السوداني، وما لم تُقدَّم الحقيقة كاملة للناس، ويُحاسَب كل من تورط في استهداف المدنيين، أيًّا كان موقعه أو انتماؤه. فالعدالة ليست عقبة أمام السلام، بل هي أساسه المتين.

 

رحم الله ضحايا المرة وديار دار حامد، وتعازينا الحارة للأخ والصديق الحبيب الدكتور الطيب حاج مكي وأسرته، الذين فقدوا أربعةً من أبناء أخته في هذه الفاجعة. ورحم الله جميع ضحايا الحرب في السودان، الذين يدافعون عن أهلهم ووطنهم وعِرضهم، وألهم ذويهم الصبر والسلوان.

 

وحفظ الله السودان وأهله من المزيد من المآسي، وجعل من هذه الفاجعة دافعًا للتمسك بالحق والعدالة، لا مناسبة جديدة للصمت والنسيان.

 

أيها الساسة والدبلوماسيون ومنظمات المجتمع الدولي، افسحوا لهذا المقال أن يدخل بصمت من بوابة تجمعكم في فنادق أديس أبابا ذات النجوم الخمس إلى هواتفكم الذكية، حاملًا معه صرخات الأمهات والآباء والأهالي في هذه المنطقة الريفية التي كانت تعيش في سلام وأمان، إلى أن اجتاحتها مليشيا الدعم السريع المتمردة. ولعلّ بعضكم يجد في تلك الصرخات المكلومة ما يوقظ الضمير ويستدعي الإنسانية المنشودة، بدلًا من مواصلة منح هذه المليشيا المنابر السياسية وإفساح المجال لها للعودة إلى المشهد عبر بوابة السلام المنشود، بلا حرية ولا سلام ولا عدالة.

 

قال تعالي :

 

﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۖ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا صدق الله العظيم ،،

 

فالسلام الذي لا تحرسه العدالة ليس سلامًا، والعدالة التي تُستثنى منها دماء الأبرياء ليست عدالة. وسيبقى صوت المرة وديار دار حامد شاهدًا على هذه الجريمة البشعة حتى ينال الضحايا حقهم، ويستعيد السودان أمنه وكرامته واستقراره.

 

*٣ يونيو ٢٠٢٦ م*

 

*ملحوظة: صورة الشيخ أحمد عبدالله شيخ الخلوة احد ضحايا المجذرة الذي قتل دهسا. لا حول ولاقوة إلا بالله.*

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى