الأعمدة

المقال رقم ( ١٤) محمد طه عثمان (السوداني)  جزء من الحقيقة ١٤ وطني: مقالات بحثية تحليلية لواقع السودان اسباب تخلف الدولة السودانية ؟ عدم كفاءة وفاعلية مؤسسات الدولة في تحقيق اهدافها التي انشات من اجلها إدارة موارد الدولة ( المال العام ) ( ١٤ )

المقال رقم ( ١٤)

محمد طه عثمان (السوداني)

جزء من الحقيقة ١٤

وطني: مقالات بحثية تحليلية لواقع السودان

اسباب تخلف الدولة السودانية ؟ عدم كفاءة وفاعلية مؤسسات الدولة في تحقيق اهدافها التي انشات من اجلها

إدارة موارد الدولة ( المال العام ) ( ١٤ )

إدارة موارد الدولة تشمل اربع مهام أساسية هي كيفية حصول الدولة علي مواردها و كيفية تخصيصها وكيفية انفاقها وكيفية مراقبة استخدامها ويمكن تبسيطها في دورة متكاملة : تحصيل – تخصيص – إنفاق – رقابة وافتراض وجود اليات للتقييم و التصحيح. باختصار شديد يمكننا تعريف المال العام او موارد الدولة بانه كل مال او مورد او اصل تملكه الدولة بكل مؤسساتها او أي مال او مورد او اصل يكون تحت ادارتها بحكم القانون ويخصص لتحقيق منفعة عامة. كما ان الصفة الأساسية للمال العام ليست أنه موجود في مبنى حكومي أو أن موظفاً حكومياً يمسكه. الصفة الأساسية للمال العام أنه مخصص للمصلحة العامة وتخضع حيازته أو إدارته للقواعد القانونية التي تحمي المال العام لذلك عندما تحصل الدولة على ضريبة من المواطن فإن المال لا يصبح ملكاً للموظف الذي حصّله ولا ملكاً للوزارة التي استلمته وإنما يصبح مالاً عاماً يجب استخدامه وفق القانون وللمصلحة العامة ومن هنا يظهر مبدأ مهم بان المال العام ليس مال الحكومة بالمعنى الشخصي بل هو مال المجتمع الذي تديره الدولة نيابة عنه. وهذا المفهوم يوضح الفرق بين الدولة بديمومتها والحكومة التي تأخذ اشكال مختلفة من حيث نظامها او انتماءها لحزب او كيان محدد وهذا الفرق مهم جداً فالحكومة تدير المال العام لكنها ليست حرة في معاملته كمال خاص بها . في السودان نعاني من هذه الازدواجية اذا ان الحكومات تتصرف في المال العام في شكل قرارات تخدم حكومتها وينتفي مفهوم الدولة القائم علي تخصيص المال العام للمصلحة العامة وبالتالي وصية اكبر للمال العام من الحكومات لضعف الأجهزة الرقابية والتشريعية وضعف اليات الرقابة والمساءلة وتنفيذ القانون الذي يصطدم بالتقاطعات السياسية والقبلية والجهوية والتنفيذية .

تعتبر الموارد الوسيلة التي تستخدمها الدولة لتحقيق اهدافها وتأتي أهمية الموارد في تمويل الخدمات العامة وتحقيق السيادة والاستقلال والتنمية وحماية الامن و العدالة والاستقرار ومواجهة الازمات وتعتبر إدارة المال العام من اساسيات مهام الدولة ولا يمكنها اسنادها لاي جهة بديلة لتقوم بها لكونها متعلقة بكينونة الدولة وممارسة مهامه الأخرى . في واقعنا الحديث تشير الوقائع ان الحكومات سارت اقل ميولا للقيام بكل مهامها المنوط بها عبر مؤسساتها والملاحظ تزايد اسناد الدول لبعض مهامها لمؤسسات اخري غير حكومية كمؤسسات القطاع الخاص الذي يساهم في توفير الخدمات مثل التعليم والصحة والدخول في شراكات مع القطاع الخاص في تنفيذ مشاريع التنمية مثل الطرق وغيرها كما ان الحكومات تسمح بإسهام المجتمع في تنفيذ بعض مهامها كالرعاية الاجتماعية وحماية البيئة من خلال المنظمات الخيرية وحيث ان الدولة ليست مطالبة بان تفعل كل شي بنفسها وعبر مؤسساتها فقط الا ان دور الحكومة في حالة اسناد جزء من مهامها لمؤسسات اخري يتحتم عليها تنظيم ووضع المعايير وتنسق وتحفيز هذه المؤسسات . سار واضحا الاتجاه المطرد للدول المتقدمة في اسناد كثيرا من مهامها للقطاع الخاص للاستفادة من قدرة القطاع الخاص من حيوية وتنظيم وكفاء وفعالية ومبادرات في تخفيض التكلفة وضمان الجودة ولكن هذا لا يعفي الدولة من تقديم مهامها في حالة عجز هذه الاليات و هذا الميول المتسارع لإسناد كثير من مهام الدولة في الدول المتقدمة لمؤسسات غير حكومية سوف يحصر تدريجيا دور الدولة في التعامل مع المؤسسات المتعلقة بموارها والمؤسسات الأمنية والعلاقات الخارجية والعدل ووضع التشريعات المنظمة للاقتصاد ورفاهية وسلامة المجتمع .

1- كيفية حصول الدول علي موارها ( جمع المال العام)

يمكن تقسيم المال العام من حيث مصادره إلى أربعة أنواع رئيسية:-

١-الإيرادات العامة ٢- الأصول العامة ٣- الأموال النقدية و الارصدة العامة ٤- الحقوق والمنافع العامة .

١.١ الإيرادات العامة وهي الأموال التي تحصل عليها الدولة من الضرائب و الجمارك والرسوم وعوائد النفط والذهب والمعادن و عوائد الموانئ والمطارات وأرباح المؤسسات والشركات الحكومية والمنح والمساعدات وغيرها من موارد مالية. القروض تعتبر أموال متحصلة الا انها مرتبط بشروط واتفاقيات ويتحتم للدولة استرجاعها مع فوائدها كديون واجبة السداد وسوف نفرد لها المجال منفرده بالتحليل .

واقع السودان في تحصيل الإيرادات العام:-

1- في تحليلنا لواقع السودان بما يختص بجمع وتحصيل الإيرادات المالية نجد ان السودان يفتقد لألية مركزية متخصصة معنية بتعظيم مقدرة الدولة علي تحصيل إيراداتها مما يغيب رؤيه مركزية كلية ملزمة وبالتالي عدم وجود استراتيجية موحدة تساعد علي بناء التطور المؤسسي وتبادل الخبرات بين الولايات وعكس النماذج والممارسات الناجحة من واقع التجربة في الولايات وتطبيقها اذ تعمل كل ولاية وفقا لاستراتيجيتها والمبادرات الفردية المرتبطة بقيادتها والقائمين علي امر تحصيل الإيرادات فيهاوهذا يخلق تأرجح انخفاضا وارتفاعا للإيرادات وفقا للمبادرات الشخصية التي لا تستند علي نظام ثابت يواكب التطور ويحتسب للمتغيرات ويبني علي ما هو قائم من نجاحات .

2- كما ذكرنا في مقالنا بالرقم 11 نظام الربط المالي للإيرادات العامة المعمول به في السودان في مصلحة الجمارك والموانئ والضرائب والزكاة واثره السالب علي تكامل المؤسسات اذ يقاس أداء المؤسسة بما تحقق من ايرادات بدلا من مساهمتها في تحقيق اهداف الدولة الكلية كما يجعل نظام الربط المالي سلوك قادة المؤسسات التشديد علي اجراءات زيادة الايرادات بغض النظر عن افرازاتها علي مجمل الوضع الاقتصادي في الدولة . أيضا يترتب علي تبني نظام ربط المالي للإيرادات تقليل الممارسات التوسعية اذ تقاس نجاح المؤسسة علي تحقيق الربط المحدد لها وبالتالي غياب المبادرات والرؤية التوسعية للمصادر الايرادية واهمال التطور المستقبلي لمواعين الإيرادات المتجددة وتغيب النظر الكلية كما تسهم سياسة الربط المالي في اهمال قادة المؤسسات الجوانب الأخرى التي تساعد في تطوير المؤسسة ويكون التركيز علي مؤشر واحد فقط يشكل قياس اداء المؤسسة وقيادتها .

3- القاعدة الضريبية في السودان ضيقة لا تسع لكثيرا من الأنشطة الاقتصادية ومرجع ذلك ان كثيرا من الأنشطة الاقتصادية أنشطة غير رسمية او مقننه بصورة قانونية مما يصعب الوصول اليها وإخضاعيها وفقا لمعايير ضريبية ملزمة كما ان كفاء أنظمة جمع الإيرادات ضعيفة اذ تعتمد علي الإجراءات الورقية وغياب الحصر الدقيق المبني عل أنظمة الكترونية تساعد علي توفر المعلومة المطلوبة في حينها مما يتطلب تقديرات مباشرة من القائمين علي امر جمع الايرادات مما يفتح باب للسلوكيات السالبة من متحصلي الإيرادات و الدافعين لها.

4- يواجه تحصيل الإيرادات بضعف الشفافية وذلك لغياب اليات لنشر البيانات والتدقيق كمرجع أساسي يبني عليه التقييم الضريبي وتواجه المؤسسات الرقابية تحديات في الوصول للمعلومة الحقيقية مما يضعف مقدرتها علي التقييم .

5- ضعف الثقة في عدالة الضرائب واستخدام الأموال العامة يادي الي التهرب وضعف الامتثال عندما لا يري المواطن ارتباط واضحا بين الضرائب والخدمات

6- ضعف المعلومات يعتبر عامل أساسي في انخفاض الإيرادات كما ان عدم الربط بين السجلات الضريبية والشركات والمصارف يغيب المعلومات الحقيقة ويفتح ثغرة للتلاعب والغش ويتيح للتقييم الغير حقيقي ويعزز مساحة المقيم في القرار. كذلك ضعف تبادل المعلومات و غياب الربط الالكتروني وعدم وجود قواعد بيانات مشتركة يجعل المواطن يقدم نفس المستندات لعدة جهات لان المؤسسات لا تتبادل البيانات .

7- نقص الكوادر المؤهلة وغياب خطة تدربيه رئيسية ومحدودية التكنلوجيا المستعملة وضعف اليات التدقيق والمتابعة يسهم في ضعف ممارسة التحصيل

8- التهرب والتسرب المالي و التلاعب بالفواتير والتقييم الغير مبني علب معلومات دقيقة وصحيح والاعفاءات غير المبررة كلها أمور تنعكس سلبا علي عملية التحصيل

و لبناء نظام ذو كفاء وفعالية لجمع الإيرادات في السودان يجب:-

1- التركيز علي الدراسات المنهجية التي تشخص العلل وتقيم التجربة الحالية وتبني علي الوقائع القائمة مما يخلق رؤية مبنية علي معرفة من عمق الممارسة لخلق استراتيجيات فاعلة وعمل مقارنات مع الدولة الشبيه والاستفادة من تجاربها وهذا يتطلب رفع كفاء وفاعلية العاملين بالتدريب والتأهيل المستمر .

2- العمل علي بناء قاعدة بيانات اقتصادية وطنية تربط بيانات دافعي الرسوم والضرائب والجمارك تشمل الافراد والشركات والعقارات بما يساعد علي تحديد الأنشطة للخاضعة ومنع ازدواجية البيانات واخفاءها .

3- أيضا الاستفادة من تجارب الدول الناجحة في التحصيل الالكتروني الذي يوفر جهد ومعلومات عبر التحصيل الالكتروني المتكامل الذي يتمثل في استخدام الفواتير الالكترونية والدفع المصرفي والتصريح الإلكتروني وربها بنظام المحاسبة الحكومي لتقليل المعاملات النقدية غير الموثقة وقد توسعت الدول في هذا النظام الذي يمنع التلاعب ففي واقعنا نجد كثيرا من أصحاب الشركات يعملون علي تجميد أنشطت شركاتهم وتسجيل شركات بأسماء اخري جديدة للتهرب من التزامات شركاتهم الضريبية السابقة وهم يأمنون من عدم الملاحقة لغياب التتبع الالكتروني لمعاملاتهم التجارية السابقة.

4- مكافحة التهرب والتسرب وذلك ببناء استراتيجيات ونظمة مدروسة للمكافحة واليات تتبع ومراقبة للأنشطة الاقتصادية وخلق اليات جادة لمحاسبة المسؤولين عن التجاوزات .

5- توسيع القاعدة الضريبية بإدماج الأنشطة الغير رسمية وتبسيط التسجيل

6- المساءلة والتقييم والمتابعة لمعالجة الفجوات و اخضاع الجهات المعنية للتدقيق

7- التبادل المعرفي مع الدول الشبيه والاستفادة من تطبيق التجارب الناجحة اين ما وجدت

8- بناء علاقة تعزز الثقة بين المؤسسات الايرادية ودافعي الضرائب والرسوم

 

محمد طه عثمان (السوداني)

خبير اقتصادي واداري وباحث

الإسكندرية : الرابع عشر من اكتوبر 2026

تفاعلكم يغذي مداد يراعنا

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى