الأعمدة

انقلاب داخل مروحية عبدالحليم سرالختم

انقلاب داخل مروحية

عبدالحليم سرالختم

انتهينا في المقال السابق إلى تحرير الكرمك من قبضة الحركة الشعبية في العام 1987، ونواصل الآن ونستكمل ذكرياتنا عن الكرمك؛ فقد التمسنا في ذلك اليوم من قائد اللواء 14 الدمازين المرحوم اللواء زين العابدين قسم الله أن نذهب إلى الكرمك على متن أول طائرة مروحية متوجهة من الدمازين لإخلاء الجرحى.

لم نستغرق وقتاً طويلاً لإقناعه، وذلك لأنه كان يقدّر جهد بعثة إعلام الإقليم الأوسط وإسنادها المعنوي للقوات والمواطنين، ولكنه بعد الموافقة شدد على ألا نقضي الليلة في الكرمك التي لم تكتمل عمليات تمشيط ما حولها بعد… وقد كانت فرحتنا كبيرة بهذه الموافقة لأنها تتوج جهدنا الذي امتد لحوالي شهر.

في صالة مطار الدمازين جلس أفراد الفريق الإعلامي يتجادلون الحديث والتعليقات حول مسار معركة تحرير الكرمك والمعارك الضارية التي انطلقت من (دندورو) مروراً بـ (البركة) و(الكيلي) وسلسلة من القرى الممتدة حتى الكرمك، وقائد المعركة ميدانياً العميد آنذاك (محمد العباس الأمين) و(خميس كازنقا) و(عوض هجّام) وآخرين خانتني الذاكرة عن ذكر أسمائهم، إلى أن قطع علينا الحديث مدير المطار وهو يدعونا للصعود إلى الطائرة الهليكوبتر حيث حانت لحظة الإقلاع.

انتظمنا داخل دائرة الطائرة، وفي نفس كل واحد منا مشاعر متداخلة أترك لكم تخيلها…

عندما اتخذ قائد الطائرة مقعده وأدار المروحة، هرع إلينا مدير المطار وطلب تأخير الإقلاع قليلاً حيث سيصطحبنا آخرون في رحلتنا هذه… ونحن في الانتظار داخل الطائرة تقدم إلينا الصحفي (سراج الدين عبد الغفار) من أسرة تحرير صحيفة “الراية” الناطقة باسم الجبهة الإسلامية (حزب المعارضة في البرلمان)، فاعتذرنا له لأسباب؛ أولها: أننا لا نملك حق السفر إلى الكرمك وهو شأن يخص قيادة اللواء الرابع عشر، وثانياً: نحن لا نضمن مصير الرحلة ولا نملك مسؤولية اصطحابه، ثم هناك سبب ثالث لا أخفيه عليكم وهو أننا بصفتنا إعلاميين رسميين لا نريد التفريط في السبق الصحفي والإعلامي.

على مضض تقبل الأستاذ سراج الدين منطقنا ولكنه ظل مرابطاً في المطار، وبعد لحظات وصل الوفد الذي قيل إنه سيرافقنا إلى الكرمك، وكانت المفاجأة أن الوفد كان بقيادة زعيم المعارضة الأستاذ (علي عثمان محمد طه) وبرفقته الأستاذ (عبد الرحمن أبو مدين) نائب دائرة الكرمك، والأستاذ (عمار أدام)، أما الشخص الرابع فلست متأكداً إن كان هو المرحوم الشريف أحمد عمر بدر أم نائباً آخر!

كما قلت، كان الوفد مفاجئاً لنا، لذا أجبت مدير المطار وقائد الطائرة عندما خاطبانا بأن زعيم المعارضة والوفد سيرافقوننا إلى الكرمك، أجبتُه: «الأمر الآن داخل الطائرة قد انقلب، فنحن الذين سنرافقهم!» وضحك! وبالطبع وجد الأستاذ سراج عبد الغفار مندوب صحيفة الراية الفرصة لينضم إلى الرحلة.

داخل مدينة الكرمك كان الوضع مهيباً… كثير من الجثث المتناثرة، وكثير من الجرحى ينتظرون الإخلاء، وامرأة واحدة عجوز هي كل مواطني المدينة في ذلك اليوم خرجت من تحت الجبال، إضافة لجنود القوات المسلحة المنتشرين حول المدينة الحصينة المحاطة من جنوبها وغربها بالجبال، ومن شمالها الشرقي بخور يابوس المانع الطبيعي، بينما اقتحمت القوات المدينة من جانبها الشمالي وهو مساحة واسعة مكشوفة اقتحمتها مجموعة (وثبة الأسود) بقوات كبيرة من المشاة تحت تغطية من المدفعية الثقيلة بعيدة المدى، هذا إذا لم أخطئ في القاموس العسكري…

وأما عن الحدود مع إثيوبيا في (منطقة الشيمي)، فقد اتخذ جنود القوات المسلحة مواقعهم بالخنادق، وقد طفنا جميعاً مع قائد المعركة “ود العباس” على الجنود في مواقعهم، ورصدنا وسجلنا مخاطبة زعيم المعارضة… رغم قرار حكومة الصادق الائتلافية مع الاتحاديين بعدم التعامل مع أخبار المعارضة عبر الأجهزة الرسمية على نحو ما ذكرت في المقال السابق… وقد استقبل زعيم المعارضة ومرافقوه موقفنا هذا بكثير من التقدير والاحترام مشوباً بشيء من الدهشة والاستغراب، حيث لم يكونوا يتوقعون من إعلام رسمي هذا التصرف الذي وصفوه بأنه استلهم البعد القومي والوطني للمعركة.

حاولنا من جديد الاستئذان من القائد ود العباس أن نقضي ليلتنا تلك في الكرمك إلا أنه رفض رفضاً باتاً، كما رفض اطلاعي على كراسته التي دون عليها ملاحظاته في مراحل التقدم المختلفة ورصد فيها حركة القوات… فقط أخبرنا أن عملية تحرير الكرمك تلك أُطلق عليها اسم (وثبة الأسود). ولعل من انعكاسات هذه المعركة على أعضاء البعثة الإعلامية أن الأستاذ الطيب قسم السيد عندما رُزق ذكراً في باكورة إنتاجه أطلق عليه اسم “واثب” تخليداً لذكرى تلك المعركة… وأعتقد أنه قد أسمى كريمته باسم “وثبة”، ولعله أيضاً ألحق ابنه واثب بعد أن بلغ رشده بالكلية الحربية، هذا إذا لم تكن معلومتي خطأ يصححها الأستاذ الطيب.

يُذكر أن مجموعة الصور الفوتوغرافية التي بعثنا بها إلى رئاسة الإقليم قد تم تحميضها وطباعتها وإعدادها في معرض ضخم أذكر أنه قد طاف على مدن كثيرة من مدن السودان… وقبل أن أختتم هذه التداعيات والذكريات والخواطر، أعتقد أن هناك إشارة مهمة ينبغي عليّ أن أوردها، وهي أن التقدير الذي وجدته البعثة من زعيم المعارضة حينذاك الأستاذ علي عثمان ورفاقه لم يكن تقدير موقف في ميدان معركة بلغة العساكر، ولكنه صار تقديراً مستمراً لإعلام الإقليم الأوسط عامة ممثلاً في أساتذتنا الراحلين عبد الله الحسن ومحمد الحاج وعبد الرحيم فقيري، كما حظيتُ على المستوى الشخصي بقسط وافر من هذا التقدير استمر طوال موقعه في المعارضة وبعد مشاركتهم في الحكم مؤتلفين مع حزب الأمة بعد أن انفض ائتلافهم مع الحزب الاتحادي، وازداد هذا التقدير بعد أن أصبحوا مكوناً من مكونات عهد الإنقاذ حيث تحوّل تقديرهم إلى ثقة كبيرة خاصة من السيدين علي عثمان والمرحوم الشريف أحمد عمر بدر جعلت بعض الإسلاميين يتساءلون عن سرها وهم يعلمون أنني لست منتمياً لحزبهم أو للحركة الإسلامية، وقد اتخذ هذا التساؤل عدة أشكال لعل أبرزها اتهام لي أثناء عملي مدير عاماً لوزارة الشؤون الاجتماعية والثقافية بأنني علماني وخطر على الدعوة. ولعلني أتناول إن شاء الله في مقالات لاحقة بعد ذكريات الكرمك وقيسان قصة هذه الوزارة وبعض المواقف ما قبلها وبعدها بإذن الله.

هذا وللحديث بقية إن شاء الله.

عبدالحليم سرالختم

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى