
بريق امل
هنادي عوض بشير
في السودان، لم يعد كوب الشاي مجرد مشروب يُقدَّم في صباح عابر أو عند زاوية شارع. خلف كل «كباية شاي» حكاية امرأة تكافح، وأسرة تنتظر قوت يومها، وأطفال يتطلعون إلى غدٍ أفضل.
ولذلك فإن تعهد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بتوفير 3500 كشك لبائعات الشاي والأطعمة في ولاية الخرطوم ليس مجرد مشروع لإنشاء أكشاك، إذا ما أُنجز على أرض الواقع كما أُعلن، بل يمكن أن يكون رسالة أمل لآلاف النساء والأسر التي عصفت الحرب بحياتها.
الحرب لم تسرق البيوت وحدها… سرقت مصادر الرزق أيضاً
الحرب اللعينة التي أشعلتها مليشيات الدعم السريع لم تترك خلفها خراباً في المباني والطرق والأسواق فقط، وإنما ضربت في العمق أهم مقومات الحياة: مصدر الدخل والاستقرار الأسري.
مواطن خرج من منزله ولم يعد إليه.
تاجر فقد متجره.
عامل فقد وظيفته.
أسرة فقدت مدخراتها.
وأم فقدت الزوج الذي كان يعيل أبناءها.
وهناك آلاف النساء اللواتي وجدن أنفسهن أمام مسؤولية لم يخترنها: أن يصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن، وأن يبحثن عن أي عمل شريف يوفر لهن ولأطفالهن لقمة العيش.
في هذه الظروف، لم تكن المرأة السودانية تنتظر أحداً لينقذها. حملت ما استطاعت من أعباء، ووقفت في الأسواق والطرقات، وباعت الشاي والطعام، وعملت في المهن الصغيرة، لتقول للحرب: لن تجبريني على الاستسلام.
الكشك الصغير… حلم كبير
قد يرى البعض في الكشك مجرد مساحة صغيرة من الصفيح أو الحديد، لكن بالنسبة لبائعة الشاي قد يكون هذا الكشك متجراً، ومصدراً للدخل، وغطاءً يحميها من قسوة الشارع، وبداية لاستعادة الاستقرار.
500 كشك في كل محلية، وفق الإعلان، تعني آلاف الفرص الصغيرة التي يمكن أن تتحول إلى أسر أكثر قدرة على الاعتماد على نفسها.
وهنا تكمن قيمة المشروع الحقيقية.
فالدولة لا تمنح المرأة صدقة، وإنما تساعدها على العمل. والفرق كبير بين أن تعطي إنساناً ما يسد حاجته ليوم، وأن توفر له وسيلة تمكنه من كسب رزقه كل يوم.
نار الشاي… ونار الأمل
وراء كل موقد شاي قد تكون قصة أم تطعم أبناءها من عرق جبينها.
وقد تكون صاحبة الكشك أرملة فقدت زوجها في الحرب.
وقد تكون امرأة نزحت من بيتها ولم يبق لها سوى قدرتها على العمل.
وقد تكون أماً تحاول أن تعيد أبناءها إلى مقاعد الدراسة بعدما تسببت الحرب في انقطاع تعليمهم.
لهذا، فإن 3500 كشك ليست 3500 قطعة بناء.
إنها 3500 نافذة محتملة للرزق.
و3500 فرصة لامرأة كي تقول: «ما زلت أستطيع أن أعمل».
وآلاف الوجوه التي يمكن أن تستعيد شيئاً من الطمأنينة بعد سنوات الخوف.
ولكن… لا نريدها مجرد وعود
الأمل الحقيقي لا تصنعه التصريحات وحدها.
المطلوب أن تتحول هذه المبادرة إلى واقع ملموس، وأن تُقام الأكشاك في مواقع مناسبة وآمنة، وأن ترافقها خدمات أساسية وتنظيم واضح، وأن تكون الأولوية للنساء الأكثر تضرراً من الحرب، خصوصاً الأرامل والمعيلات ومن فقدن مصادر دخلهن.
كما ينبغي أن تمتد الفكرة إلى مشاريع أخرى تستوعب الرجال والنساء الذين فقدوا أعمالهم وممتلكاتهم بسبب الحرب.
فإعادة إعمار السودان لا تعني إعادة بناء الجدران فقط.
إعادة الإعمار تبدأ عندما يستعيد الإنسان مصدر رزقه.
الخرطوم تحتاج إلى أكثر من الإسمنت
ستحتاج الخرطوم إلى طرق وجسور ومدارس ومستشفيات وأسواق، نعم.
لكنها ستحتاج قبل ذلك إلى إنسان قادر على العمل.
إلى تاجر يستعيد متجره.
إلى عامل يجد وظيفته.
إلى حرفي يعيد فتح ورشته.
إلى مزارع يعود إلى أرضه.
وإلى امرأة سودانية تقف خلف كشكها، تشعل النار، تضع إبريق الشاي، وتبدأ يومها وهي تعرف أن تعبها سيعود في نهاية اليوم إلى بيتها خبزاً وتعليماً ودواءً وأملاً.
هناك، تحديداً، يبدأ التعافي.
فالذين أشعلوا نار الحرب أحرقوا الممتلكات ومصادر الدخل وشردوا الأسر، لكنهم لن يستطيعوا إطفاء إرادة السودانيين في الحياة.
وربما يكون المشهد الأكثر بلاغة في الخرطوم بعد الحرب بسيطاً جداً:
امرأة سودانية تفتح كشكها عند الصباح، تشعل نار الفحم، وتضع إبريق الشاي على النار.
إنها لا توقد النار لتغلي الشاي فقط…
إنها توقد نار الأمل.
ومن هنا يأتي معنى 3500 كشك… يوقد نار الأمل قبل الشاي.