
تأملات جمال عنقرة الحوار السوداني .. قبل أن يضيع الدرب في الماء
تأملات
جمال عنقرة
الحوار السوداني .. قبل أن يضيع الدرب في الماء
سعدت كثيرا بالتفاعل الإيجابي الكبير الذي وجده مقالي الاخير “البرهان والحوار .. الخير مصوبر في محل والخيل تجقلب في محل” ومبعث سعادتي اهتمام أهل السودان العظيم، بمسالة الحوار، وقناعتهم أن الحل بالأيدي افضل من الحل بالأسنان، وكلاهما افضل من القطع بالسكين.
ولقد وصلتني أسئلة واستفسارات كثيرة عن بعض ما ذكرت، كما اشاد البعض بالفكرة الأساسية للمقال، ورفضها آخرون، وأود في هذا المقال محاولة الإجابة علي اكثر ما ورد، دون الإشارة تفصيلا إلى ما ذكره كل قارئ علي حده، حتي تعم الفائدة، وقد استثني من التعميم رسائل اخي الحبيب الدكتور محمد شوقي خليل عكاشة لما فيها من تفصيل مهم، وملاحظات اخي محمد محل تقدير، ليس لتقديري لشخصه فقط، ولكن لانه من المهتمين والمنشغلين بصدق وفاعلية بقضية الإصلاح العام في السودان، واتفق مع أخي دكتور محمد في امرين مهمين، اولهما أن يكون الحوار شاملا لكل اهل السودان بلا استثناء، والشمول عندي لا يعني فقط شمول كل القوي السياسية الموالية للحكومة، والمعارضة والمقاتلة لها فقط، وإنما يشمل في معناه الاعم كل اهل السودان، السياسيين، وغير السياسيين، والذين يحملون السلاح مع القوات المسلحة وضدها، وأهمية مشاركة مكونات المجتمع المدني الاهلي غير السياسية، والتي لا تحمل السلاح أهم من مشاركة غيرهم، ومن هؤلاء الشباب والطلاب والمهنيون، والنقابيون، والادارات الأهلية، والتيارات الدينية وقطاع الثقافة والإعلام والفنون، وكل مكونات المجتمع المدني الأخري.
تحفظاتي، وتحفظات، واعتراضات كثيرين علي المحاولات الجارية الان تحت مظلة الحوار، انها ليس لها علاقة بالحوار المنشود والمطلوب، لانهاء حروب السودان الممتدة، والتاسيس لدولة القانون والمواطنة، التي تسع السودانيين جميعا بمختلف تكويناتهم، ويجد فيها كل إنسان نفسه مواطنا اصيلا، لا تابعا ذليلا، وهذا يجعل أهل السودان كلهم يشعرون بقيمة الانتماء لبلدهم، فيعطونه بحب واخلاص وتجرد، ومثل هذا الحوار لا يقوده الذين يسعون في دربه الآن، وأكثرهم، كما أشرت في المقال السابق لا يمثلون الا انفسهم، وبعضهم اتخذوا قضية الجوار مهنة ووظيفة يتكسبون بها، وكثيرون. منهم لا يعلم لهم أحد كسبا في السياسة ولا المجتمع، وهكذا ظل كثيرون منهم مجرد سماسرة في سوق النخاسة السياسي.
ومشكلة هؤلاء انهم خرجوا بالحوار من معناه الشامل، إلى حوار مبتسر، ومختزل بين بعض الحاكمين، وبعض سواقط المعارضة، وهدفهم من هذا الحوار تقديم ايحاء كذوب بأن توتفقا وسلاما قد تحقق في السودان، ويسعون إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي بناء علي هذه الادعاءات غير الصادقة.
ومشكلة هذا السعي انه يمكن أن يدخل البلاد في مأزق سياسي يصعب الخروج ومنه، وتضيق فرص الحل السياسي السلمي الديموقراطي بعد دخول دروب الحوار في متاهات تضيع فيها معالمها، ويصدق عليها المثل الدارفوري الشهير “درب ودر في ألمي”