
تأملات جمال عنقرة الزاكي .. حمل الرسالة .. وادي الأمانة
تأملات
جمال عنقرة
الزاكي .. حمل الرسالة .. وادي الأمانة
عندما استيقظت فجر يوم من أيام عام ٢٠١٣م تقريبا، ووجدت مكالمة فائتة من اخي عبد المنعم شجرابي، توقعت انه يريد أن يخبرني بوفاة صديقي الحاج التيجاني محمد ابراهيم الزعيم الاتحادي والقطب الهلالي، ورجل الأعمال المعروف، ذلك انه كان يعاني من مرض قاتل، ولكنه كان يقاتله، وكنت معه مساء ذات الليلة، وكان شامخا، لم يهد المرض عزمه، ولا عزيمته، ولما رجعت بالاتصال علي الأخ شجرابي، نقل لي خبر وفاة حاج التيجاني له الرحمة والمغفرة، فاتصلت بالاخ اللواء ابراهيم الخواض الذي كان مديرا لمكتب النائب الأول آنذاك، الاستاذ علي عثمان محمد طه، نقلت له الخبر، لما كان بين علي عثمان وحاج التجاني من مودة، وبعد دقائق اتصل بي السيد علي عثمان من رقمه المباشر، وسألني عن مكان وزمان الدفن، فاخبرته، فطلب منى أن ننتظره، وجاء إلى مقابر احمد شرفي وصلي علي الجثمان، نسأل الله له الصحة والعافية ولحاج التجاني الرحمة والمغفرة.
ولما وصلتني رسالة بعد ظهر يوم السبت الماضي من الاخ خالد ابو شيبة، تبدأ ب “إنا لله وإنا إليه راجعون” أدركت انها خبر وفاة، لكنني لم اتوقع ان يكون المتوفي هو الحبيب ابن الحبيب والزعيم ابن الزعيم الزاكي التجاني محمد إبراهيم، رغم انه كان ملازما لسرير المرض، ورغم أن الموت حق علي كل إنسان، فلم أجد ما اقول أكثر مما يقوله أهلنا في كردفان عندما ياتيهم خبر وفاة “جايز” ثم قرات اول مقال كتب عن الزاكي كتبه اخي العمدة الحبيب الاستاذ محمد فرح عبد الكريم، وركز في المقال علي ما قمت من ربط وتوثيق لعلاقته مع الزاكي ومع والده حاج التجاني لهما الرحمة والمغفرة، وربط بين هذه العلاقة وبين علاقتي بالراحل الحبيب الاستاذ سيد أحمد خليفة، التي امتدت إلى أبنائه واحفاده، وكل أهله وعشيرته.
تعرفت علي الحاج التيجاني بواسطة الشريف زين العابدين الهندي، الذي تعود علاقتي المباشرة معه إلى سبعينيات القرن الماضي عندما كنا طلابا في مصر، وعرفني به استاذي وصديقي وابن عمي ابو العباس الاستاذ السر احمد قدور، ومد الشريف علاقتنا بالحبل المدود بين والده الشريف يوسف الهندي، وجدنا الأمير النور عنقرة، وكان الشريف يوسف للامير النور في مقام الابن الاحب، والأكثر برا، وتوثقت علاقتنا اكثر مع الشريف والحاج التيجاني عندما قدنا معا مبادرة الحوار الشعبي الشامل في تسعينيات القرن الماضي وكان ثالثنا الاساسي في هذه المبادرة العبقري النمر الدكتور عبدالله سليمان العوض.
الحاج التجاني كان رجلا استثنائيا وصاحب مقدرات عالية، وصفات نادرة، كان تاجرا شاطرا يعرف مكامن النجاح، وكان حريصا في تجارته، وكريما حد البذخ، وكان شجاعا، ومقداما، ومع ذلك كان صاحب قلب رهيف، حصن أبناءه بالعلم والمعرفة، فكلهم تخرجوا في أفضل الجامعات العالمية، ونالوا شهادات عليا في علوم الطب والهندسة، عدا ابنه الأكبر الزاكي الذي اعده اعدادا مختلفا لخلافته، ولعل الزاكي نفسه لم يكن يدرك ذلك، واذكر مرة قال لي الزاكي “صاحبك ضيعني ما خلاني اقرا من الثانوي العام سايقني معه”
ولكن يبدو أن الزاكي أدرك ذلك بعد وفاة والده مباشرة، والان وقد صارا معا بين يدي الله تعالي، اقول ان الزاكي لم يكتف فقط بالسير في طريق والده، وإنما تفوق عليه في كثير من الساحات والمساحات، ويكفي مثالا لذلك ساحة الاتحاديين، حيث استرد الزاكي العلاقة مع مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، وحافظ علي مد جسوره مع كل التيارات الاتحادية الأخري مع مواصلة التواصل والمحبة مع كل القوي السياسية والمجتمعية الأخري، والأهم من ذلك انه حافظ علي تماسك أسرته، ترك لأشقائه إدارة شؤون المال والاستثمار، وتركوا له الزعامة والقيادة.
رحم الله الزاكي، فقد حمل الرسالة، وادي الأمانة، ومات راضيا مرضيا، نسأل الله له الرحمة والمغفرة، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.