تقارير

تتواصل جهود إصلاحه في ظل العديد من التعقيدات والتحديات،،الاتحاد الأفريقي،، معركة استعادة الفاعلية..

 

الإصلاح ركيزة لتطوير كفاءة الاتحاد وتمكينه من الاضطلاع بمهامه المثلى..

السفير الزين يطالب بإصلاح نهج الاتحاد الأفريقي تجاه الأزمة السودانية..

تعليق عضوية الدول يقوِّض الإصلاح ويفتح شهية التدخل الخارجي..

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..

تتواصل داخل أروقة الاتحاد الأفريقي، وعلى مستوى مراكزه البحثية وشركائه الفكريين، جهودٌ ترمي إلى إصلاح المنظمة القارية وإعادة بنائها على أسس مؤسسية أكثر كفاءة وفاعلية، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية التي تواجه القارة الأفريقية، وتراجع قدرة الاتحاد على الاستجابة الفاعلة للأزمات المتفاقمة في عدد من دوله الأعضاء.

إصلاح مؤسسي تدريجي:
وتشهد القارة المحتشدة بالأزمات والمشاكل، زخماً متنامياً من الندوات المتخصصة، والسمنارات الدراسية، ومنصات العصف الذهني، التي تسعى إلى بلورة رؤى عملية لإصلاح الاتحاد الأفريقي، باعتبار أن الإصلاح المؤسسي يمثل ركيزة أساسية لتطوير كفاءة أجهزة الاتحاد وتمكينها من الاضطلاع بمهامها على النحو الأمثل، ويشدد مشاركون وخبراء في هذه الفعاليات، على ضرورة أن تتم عملية الإصلاح بصورة منهجية وتدريجية وواضحة، وعلى أساس من الشمولية ومشاركة جميع الدول الأعضاء، بما يضمن توافقاً جماعياً حول مسار الإصلاح، ويحول دون فرض رؤى أحادية أو إملاءات خارجية.

ندوة متخصصة:
وضمن الجهود المتصلة بإصلاح الاتحاد الأفريقي، نظم مركز أماني آفريكا بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت، ندوة متخصصة حول إصلاح الهيكلية الأفريقية للسلم والأمن (APSA)، باعتبارها إحدى أهم منظومات الاتحاد الأفريقي وأكثرها ارتباطاً بالواقع الميداني للأزمات والنزاعات، والهيكلية الأفريقية للسلم والأمن، التي تتبع لمنظومة الاتحاد الأفريقي، تشمل القوات الأفريقية الجاهزة، ومجلس السلم والأمن، ولجنة الحكماء، وآلية الإنذار المبكر القارية، الندوة التي ناقشت “التحديات البنيوية التي تواجه منظومة السلم والأمن، وسبل تعزيز فعاليتها وربطها بالوقاية المبكرة، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد انفجارها” شاركت فيها شخصيات ونخب وخبراء بارزون، من بينهم، سعيد جنيت، مفوض السلم والأمن الأسبق، محمد النضيف، عضو لجنة الحكماء التابعة للاتحاد الأفريقي، د. سايمون بول، المدير الإقليمي للمركز الدولي للدراسات الأمنية، د. سلمون ديرسو، مدير مركز أماني آفريكا وعضو مفوضية حقوق الإنسان، بالإضافة إلى مديرة وحدة الإنذار المبكر بالاتحاد الأفريقي، وعدد كبير من الدبلوماسيين والباحثين المختصين، من بينهم سفير السودان لدى أثيوبيا، ومندوبه الدائم بالاتحاد الأفريقي الذي تعاني بلاده من المشكلات والتعقيدات الإدارية والبنيوية في منظومة الاتحاد الافريقي.

مواجهة الارتهان الخارجي:
ويرى خبراء ومختصون أن إصلاح الاتحاد الأفريقي بات ضرورة ملحّة لترقية أدائه، في ظل محدودية تأثيره على أرض الواقع، مقارنة بحجم الأزمات التي تعصف بالقارة السمراء، ويحذر هؤلاء من الاعتماد المتزايد للاتحاد على الداعمين والممولين والشركاء الخارجيين، مشيرين إلى أن تدخل بعض هؤلاء الشركاء في الشأن الداخلي للاتحاد ينعكس مباشرة على الشؤون الداخلية لدول أفريقية بعينها، ويلفت مراقبون إلى أن التجربة الإماراتية ليست بعيدة عن الأذهان، حيث تحاول أبوظبي استغلال نفوذها المتنامي داخل مؤسسات الاتحاد الأفريقي لتعزيز تدخلها في الأزمة السودانية، مع مخاوف من تكرار السيناريو ذاته في دول أخرى مثل جنوب السودان وأثيوبيا، على غرار تدخلاتها السابقة في تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، وهي شواهد لا تزال حاضرة في الذاكرة القارية.

تعقيدات وضعف إرادة:
ويُرجع محللون ضعف أداء الاتحاد الأفريقي إلى جملة من الأسباب، أبرزها التعقيد الهيكلي، وضعف الإرادة السياسية لدى بعض الدول الأعضاء، إلى جانب تعدد العقبات التي تعترض مسار الإصلاح المؤسسي، وافتقار بعض عمليات الإصلاح السابقة إلى الشمولية والاستدامة، ويستحضر الخبراء في هذا الإطار تجربة الرئيس الرواندي بول كاغامي، الذي كُلف في العام 2016م من قبل القادة الأفارقة بقيادة خطة إصلاح طموحة للاتحاد الأفريقي، ركزت على تحقيق الاستقلال المالي للمنظمة، وتعزيز صلاحيات رئيس المفوضية، وتقليص عدد المفوضين، وتنشيط صندوق السلام، وإعادة الهيكلة المؤسسية، وعلى الرغم من إحراز بعض التقدم، مثل إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، وتحويل النيباد إلى وكالة تنمية الاتحاد الأفريقي، إلا أن عدداً من الأجهزة الرئيسية، كـمحكمة العدل الأفريقية والبرلمان الأفريقي، لا تزال عملية الإصلاح فيها تراوح مكانها، وسط تساؤلات حول جدية التنفيذ وفعالية المتابعة.

قرارات تعمّق الأزمات:
وقدّم سفير السودان لدى إثيوبيا ومندوبه الدائم لدى الاتحاد الأفريقي، السفير الزين إبراهيم حسين، مداخلة لافتة خلال الندوة الخاصة بإصلاح الاتحاد الأفريقي، منتقداً سياسة تعليق عضوية الدول، واعتبرها لا تعاقب الحكومات وحدها، بل تُلحق أضراراً مباشرة بالشعوب، وتفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الخارجية، واستشهد السفير الزين بالحالة السودانية، موضحاً أن تعليق عضوية السودان أسهم في إبعاد المبادرة الأفريقية عن معالجة الأزمة، وخلق فراغاً استغلته أطراف خارجية، محذراً من أن إقصاء الدول لفترات طويلة يقوض أهداف الإصلاح والاستقرار، وقد يتكرر في دول أفريقية أخرى، وأشاد السفير بالدعوات المطالبة بتفعيل نظم الإنذار المبكر والدبلوماسية الوقائية، داعياً إلى مراجعة ميثاق الديمقراطية والانتخابات ونهج التعامل مع الدول التي تمر بمراحل انتقالية، مؤكداً أن الديمقراطية عملية مستمرة وليست هدفاً يُنجز دفعة واحدة، لا سيما في دول أفريقية حديثة النشوء تعاني تعقيدات بنيوية وتاريخية، وشدد الزين على أن إصلاح الاتحاد الأفريقي يجب أن يقوم على مرافقة الدول في مسارات التحول الديمقراطي من الداخل، لا تعليق عضويتها أو عزلها عن آليات صنع القرار، مؤكداً أن الإصلاح الحقيقي يتطلب الاستماع إلى الدول المعنية وإشراكها في النقاشات المتعلقة بأوضاعها، بما يعزز الدور الأفريقي ويحد من التدخلات الخارجية.

خاتمة مهمة:
على كُلٍّ: يبدو أن عملية إصلاح الاتحاد الأفريقي لم تعد خياراً مؤجلاً، بل استحقاقاً وجودياً تفرضه تحولات الواقع القاري وتزايد التدخلات الخارجية، وبينما تتكاثر المبادرات والندوات والأفكار الإصلاحية، يظل التحدي الأكبر متمثلاً في تحويل الإرادة السياسية إلى أفعال ملموسة، وبناء اتحاد أفريقي مستقل القرار، قادر على حماية مصالح القارة، ومرافقة دولها في مسارات الاستقرار والتحول، بعيداً عن منطق الإقصاء والارتهان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى