
لميس أدهم.. تكتب تعقيبا علي ما كتب عنقرة
الحوار خيار استراتيجي .. ولكن!
شكرا أستاذ جمال على هذا المقال الغني بالتجارب والشهادات التاريخية. واضح أنك حاولت من خلاله التأكيد على قيمة الحوار كخيار مبدئي في إدارة الخلافات السياسية في السودان، مستندا إلى محطات عديدة من تاريخنا السياسي. هذا التتبع مهم لأنه يوضح أن فكرة الحوار لم تكن غائبة عن الساحة السودانية، لكنها كثيرا ما اصطدمت بتعقيدات الواقع السياسي وتضارب المصالح بين القوى المختلفة.
كما يلفت المقال الانتباه إلى نقطة مهمة، وهي أن كثيرا من الأزمات في السودان لم تكن بسبب غياب المبادرات، بل بسبب ضعف الثقة بين الفاعلين السياسيين، وسرعة الانتقال من التوافق إلى الصراع. لذلك تكررت دورات الاتفاق ثم الانقسام، وضاعت فرص عديدة للاستقرار قبل أن تترسخ.
لكن في تقديري أن النقطة الأكثر تعقيدا اليوم تختلف قليلا عن المراحل السابقة، وهي مسألة تقبل الشارع السوداني لأي تسوية سياسية. فالحرب الحالية خلفت جراحا عميقة وانتهاكات واسعة، وهذا جعل المزاج العام أكثر حساسية تجاه فكرة التسويات مع أطراف يُنظر إليها باعتبارها مسؤولة عن معاناة كبيرة. لذلك قد يكون التحدي الحقيقي ليس فقط إقناع النخب بالحوار، بل إيجاد صيغة سلام يشعر معها المجتمع بأن العدالة لم تُهمَل، وأن الحوار لا يعني تجاوز آلام الناس.
ولعلنا كذلك لا ننسى أن القيادة اليوم تواجه امتحانا صعبا؛ فدورها لا يقتصر على إدارة المعركة عسكريا، بل يمتد إلى إدارة لحظة سياسية شديدة التعقيد، تتطلب موازنة دقيقة بين متطلبات الحرب، وضغوط الشارع، وضرورة فتح أفق لحل سياسي يوقف نزيف البلاد. نجاح هذا الامتحان قد يكون أحد المفاتيح الحاسمة لعبور السودان من هذه المرحلة الصعبة.
لذلك ربما يكون التحدي الأكبر الآن هو كيف يتحول أي حوار قادم إلى بداية لمعالجة جذور الأزمة، لا مجرد محطة جديدة في دورة الصراع السوداني.