الأعمدة

حاجب الدهشة  علم الدين عمر   البرهان يرفع سقف الخطاب..هل الحكومة في الموعد؟!

حاجب الدهشة

 

علم الدين عمر

البرهان يرفع سقف الخطاب..هل الحكومة في الموعد؟!!

..تطور كبير..خطير..مثير..ذلك الذي أحدثته رسالة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان للرئيس الأمريكي دونالد ترامب..فبينما تظل الدولة أسيرة خطاب متردد..أو رهينة مبادرات سلام لا تحدد كيف تنتهي الحرب..ومن يملك السلاح..وما الذي يمنع إعادة إنتاج الأزمة تحت لافتة التسوية..وبينما تستهدف الحرب بنية الدولة..يصبح وضوح الموقف السياسي جزءاً من معركة السيادة.. وتغدو القدرة على تحديد الخطوط الحمراء شرطاً لأي سلام قابل للحياة..

من هذه الزاوية.. تستحق رسالة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان وقبلها تصريحات المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة أمجد فريد.. قراءة تتجاوز حدود الترحيب الدبلوماسي بجهود السلام..إذ يبدو أن الخطاب الرسمي السوداني يتجه نحو مزيد من المباشرة في التعامل مع المقترح الأمريكي..واضعاً مخاوف الدولة وشروطها في قلب النقاش الدولي.. بدلاً من الإكتفاء بالتفاعل مع المبادرات المطروحة من الخارج..

رسالة البرهان بدون شك هي إنفتاح جديد.. لا يعني التنازل عن شروط السيادة وخطوطها الحمراء..حيث

أعلن البرهان الخميس في منشور على منصة «إكس».. أنه بعث برسالة إلى ترمب أكد فيها التزام حكومته بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة.. واستعدادها للتعاون مع جميع الأطراف من أجل الوصول إلى تسوية تصون سيادة السودان..

هذه الرسالة تفتح الباب أمام مسار دبلوماسي جديد.. لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً.. هل تقود الجهود الأمريكية إلى استعادة الدولة سيادتها واحتكارها للسلاح.. أم تفضي إلى هدنة مؤقتة تترك أسباب الحرب قائمة؟..

الترحيب بالجهود الدولية لا يعني القبول بكل ما تحمله من تصورات.. والإنخراط في الوساطة لا يمثل تفويضاً للآخرين بتحديد مستقبل السودان..المطلوب أن تدخل الدولة أي تفاوض وهي تعرف ما تريد..وما تقبله.. وما لا يمكن أن تتنازل عنه..وفي مقدمة ذلك..معالجة وجود المليشيات المسلحة خارج مؤسسات الدولة.. ومنع تحول الوقائع التي فرضتها الحرب إلى مكاسب سياسية دائمة..في هذا الإطار ..تمنح تصريحات المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة أمجد فريد هذا الموقف مضموناً أكثر تحديداً..فالدولة ترحب بالجهود الأمريكية.. لكنها تبدي ملاحظات على صيغة الهدنة المطروحة..محذرة من أن تؤدي، بصورتها الحالية.. إلى تكريس انقسام السودان واستمرار المليشيات والقوات شبه العسكرية في المشهد..

ويبرز هنا شرط خروج مليشيا الدعم السريع من المناطق الحضرية التي سيطرت عليها بصورة واضحة.. باعتباره ضرورة وليس تفصيلاً يمكن تأجيله إلى مراحل لاحقة..فأي هدنة لا تعالج وجود المليشيا داخل المدن قد تمنحها فرصة لإعادة ترتيب صفوفها وتثبيت سيطرتها..وتحول الأمر الواقع الذي فرضته الحرب إلى ورقة تفاوضية..

لكن قوة هذا الإعتراض لا تكتمل بمجرد إعلان التحفظ..قوته تتطلب تصوراً سودانياً واضحاً يحدد الترتيبات الأمنية..وآليات التنفيذ والرقابة.. والضمانات التي تمنع استغلال وقف إطلاق النار لإعادة إنتاج الحرب ومنح قُبلة الحياة للمليشيا..

الواقع الآن ..وبهذا الخطاب أن الدولة تتقدم.. والحكومة أمام امتحان الإتساق..

ما يستوقفني في هذا التطور أن خطاب الدولة يبدو أكثر وضوحاً في تحديد الخطوط الحمراء..بينما تظل الحكومة مطالبة بتحويل هذا الوضوح إلى موقف تفاوضي متكامل.. فإذا كانت ظروف الميدان قد فرضت في مراحل سابقة قدراً من التحفظ فإن ضغوط التسوية تقتضي اليوم الإنتقال من رد الفعل إلى المبادرة..ومن تفنيد المقترحات إلى تقديم تصور سوداني للسلام..

ولا يعني ذلك خلق تناقض بين مؤسسات الدولة.. بل يعني توحيد المرجعية السياسية والتفاوضية.. بحيث تتكامل رسالة البرهان مع تصريحات مستشاريه ومواقف الحكومة ووزارة الخارجية..وتحركات رئيس الوزراء..فتعدد الرسائل وتباينها يضعف الموقف السوداني أمام الوسطاء..بينما يمنحه الاتساق قدرة أكبر على التأثير في صياغة التسوية..

إن واشنطن أمام اختبار حقيقي عقب هذا التقدم الكبير في الخطاب السيادي السوداني.. فوقف إطلاق النار هدف مهم..لكنه لا يكفي إذا لم يقترن بضمانات تمنع إعادة التموضع العسكري.. وتضع مساراً واضحاً لإنهاء وجود التشكيلات المسلحة خارج سلطة الدولة..

نعم للسلام..ولكن ليس على حساب السيادة.. ونعم للهدنة..ولكن ليس لتجميد الإنقسام ريثما تسنح فرصة أخري للإنقضاض علي الدولة.. لقد دفعت البلاد أثماناً باهظة في هذه الحرب..ولا ينبغي أن تخسر على طاولة التفاوض ما عجزت المليشيا عن انتزاعه بالقوة..

هذا هو التحدي الحقيقي أمام الدولة والحكومة معاً..تحويل وضوح الخطاب إلى برنامج تفاوضي متماسك.. يجعل السلام طريقاً لاستعادة الدولة..وليس مجرد هدنة تؤجل انفجار الحرب من جديد..

نواصل

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى