الأعمدة

حكومة جديدة أم عقلية قيادية جديدة؟ د. محمد عبد القادر سبيل

حكومة جديدة أم عقلية قيادية جديدة؟

د. محمد عبد القادر سبيل

هل نحن شعب عملاق سيء الطالع كما يقولون، لم نقع على حكومة تليق بأمتنا ومواردنا الضخمة، أم شعب كنود لا يعجبنا العجب، لذلك فلم تقنعنا حكومة قط منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، حتى عبود الذي فعل المعجزات في ست سنوات نبذناه بالعراء وهو مذموم…. فماذا نريد؟ هل تغيير النظام تلو النظام فحسب؟

 

والآن…

قد تتطلب الأوضاع الماثلة تغييراً عاجلاً ولكن البرهان يفضل شيئين: الحفر بالإبرة والسير بنا على حافة الشفير وفي حقل ألغام، لذلك نبقى دائما لاهثين مروعين من احتمالات الخطر، ليس امامنا من خيار سوى المضي معه بهدوء إلى الأمام. هذا قدرنا.

ومهما يكن..

فإن الأولى من تغيير الحكومة الآن هو تغيير عقلية رئيس الوزراء والوزراء ، خاصة في القطاع الاقتصادي الذي يشمل: المالية والتخطيط الاقتصادي، التجارة والصناعة، الزراعة والثروة الحيوانية، المعادن، الطاقة والنفط، بنك السودان، الاستثمار، الموارد البشرية والزكاة، الاوقاف ووزارة السياحة والنقل والموانئ والاتصالات.

 

التغيير المطلوب هو أن يكون الوزير ورئيس الوزراء مؤهلين لناحية التكيف والابداع وسط كل هذه المعضلات والحرب والبيئة المناوئة للانتاج، دون شكاية أو معاذير.

الواقع مثبط لأية فكرة نمطية يقتضيها عادة العمل المنتج. فالامر جلل ويستدعي رجالاً مختلفين، يستطيعون تحويل التحديات الجسام الى فرص كبرى ويصنعون الفرق في ظل التجشم من خلال الصبر والتفكير الإبداعي الخلاق خارج الصندوق، استنطاقا للصخر بصورة واقعية.

تلك النقطة الاخيرة في غاية الأهمية لأن الذي يحول المخاطر الى سوانح ينبغي ان يكون مرناً وفي منتهى الواقعية، لا تعتقله قيود اللوائح والنظام النمطي السائد. عليه ان يترك النظريات العلمية تعمل عملها في عقله الباطن وتوحي إليه بمنطقها، وأما وعيه الحاضر فهو ينصب على استنباط الحلول من المشكلة ذاتها، لا من صرامة النظريات خارجها.

وبالتالي فنحن نحتاج الى وزراء مبدعين وعمليين في الوقت ذاته فضلاً عن استعدادهم للعمل في ظروف عشوائية وغير مواتية فيحاولوا صنع مناخ جديد بمنطق ونظام متحور جديد ليحدث بذلك الاختراق الذي طالما انتظرناه بلا طائل من جراء وزراء العلاقات العامة التقليديين.

 

مما سبق نستطيع ان نستشف ان الوزير المطلوب لا هو بيروقراطي ديواني تقليدي يعتني بحضور اجتماعات مجلس الوزراء واجتماعات مكتبه ثم مراجعة البوستة و ( أوافق، ولا اوافق، ويحفظ، ويحال الى المسشار الفلاني للافادة، وتشكل لجنة .. الخ)، ولا هو وزير اكاديمي متعجرف يتكئ على النظريات العلمية فيلوم الواقع الجاهل الذي لا يستوعبها. بل نحتاج الى الوزير (الشفت) الجرئ الذي يحب النجاح والانتصار وسط الظروف الصعبة. يدق الصخر بارادة الرجال حتى يخرج الصخر لنا ماء وظلا.

على ان الاهم من ذلك ألا يكون الوزير رجل أعمال وصاحب مصالح او يعمل موظفا لدى رجال الاعمال فهذا لن يفلح إلا في بيئته التي ترعرع فيها ولن يوالي إلا شيعته واولياء نعمته فاحذروه. نحن نحتاج لمن يتاجر لمصلحة الدولة والشعب فحسب.

ولكن المشكلة الأشد تأريقاً وأبلغ خطراً فتتمثل في الطاقم الذي يعمل معه، كيف يكونوا على شاكلته وكيف تكون النزاهة والاخلاص للشعب والفاعلية هي سماتهم الجامعة؟. هنا اعذروني فأنا متشائم.

والحال…

علينا ألا نستسلم وألا نكف عن البحث عن طواقم مختلفة التفكير لادارة مكاتب رئيس الوزراء والوزراء بالمواصفات التي ذكرناها أولاً ثم نبحث عن الرئيس الجديد والوزير الجديد بالمواصفات التي ذكرنا؟

يجب ان نفكر في هذا أولاً ونحن نسبح في بحر من تردي الاخلاق والفساد والانتهازية والعنصرية وضعف الكفاءة والفاعلية معاً.

أما الاستبدال العشوائي بما تيسر فنجرب الحكومات من ظاهر الاسماء والصفات والمناصب السابقة ثم ندخل تجربة: خابت أو أصابت، فهذه مضيعة وقت وإهدار مال وفرص.

فلنفكر بسرعة عن آلية فعالة لانتقاء الحكومة ومستشاريها على نحو ما ذكرنا.

ثم تعالوا الى التطبيق..

 

ففي ظل افتقار حكومة السودان الى الايرادات العامة التي تؤهلها للقيام بوظائفها على الوجه الأكمل اليوم، فإن المطلوب من وزراء القطاع الاقتصادي ان يتاجروا من أجل الدولة وأن يبتكروا مصادر دخل جديدة ووفيرة للخزينة العامة الخاوية، وبالعملتين الاجنبية والمحلية، هذا هو مربط الفرس ومقياس النجاح، وذلك لن يتأتي بوزراء ينتظرون التمويل ليأتيهم بسهولة وانتظام لكي ينفقوه على خططهم وسياساتهم الرائعة. كلا. بل نحتاج الوزير (في القطاع الاقتصادي بالذات) الذي يعرف كيف يجعل وزارته منجماً ضخماً يرفد الخزينة العامة بإيرادات متنامية لا تنفد من النقد الاجنبي ثم المحلي (دون تجنبب). الوزير الذي يعرف كيف يحول مواردنا الطبيعية_ وما أكثرها _ إلى ايرادات مستدامة. ذاك الموهوب الذي لا يشكو من التمويل بل يصنعه ولا يستسلم للواقع السلبي المتردي بل يروضه ويرسم منه افقاً شاسعاً من الأمل والعمل والنجاح المطرد.

وأما اعدى اعداء الشعب والوطن، فهو الوزير الذي يمكن ويسهل للرأسمالية الطفيلية ومحاسيبه والمستثمرين الاجانب كل الفرص لينهبوا ثروة الشعب باسم زيادة الاستثمار، فلا يكون نصيب الدولة إلا العشر، والعشر كثير، هذا قطعاً وزير فاشل ومتآمر ضد الدولة وحقوق الشعب. ومن خيانته لشعبه ومنصبه انه لا يفكر في استثمارات عامة تقوي شوكة الحكومة بقدرنا يحرص على ثراء الرأسمالي حليفه وعلى التقاط صور النجاح معه بلا حياء، ولا يهتم في أسوأ الاحوال بشراكات منصفة ترجح مصلحة ٤٠ مليون نسمة على مصلحة ٤٠ إنتهازيا يستغلون القوانين المعيبة تارة وفساد الجهاز التنفيذي تارة ليثروا، ثراء فاحشا ولتفتقر الدولة بالمقابل، فقراً مدقعا.

والله يهدي الى سواء السبيل

 

ملحوظة:

أحياناً يساورني الشعور بأن هناك قانوناً صدر في التسعينات ضمن سياسة التحرير الاقتصادي تم بموجبه (خصخصة الحكومة) وإلا فلماذا يجتهد الوزراء ورؤساؤهم كلهم وبهذا الحماس في خدمة القطاع الخاص ورجال الاعمال لزيادة اختطافهم للثروة القومية ولا يأبهون قط بالاستثمار لصالح الدولة.!

 

د. محمد عبد القادر سبيل

خبير إداري واقتصادي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى