الأعمدة

خالدات مدينةالابيض: نساء صنعن المدينة بصمت  بكري يوسف البر

خالدات مدينةالابيض:

نساء صنعن المدينة بصمت

بكري يوسف البر

 

جزء اول

 

قال الراوي في موسم الهجرة الي الشمال:

 

(اسمع طائر يغرد، او كلب ينبح، او صوت فأس في الحطب، احس بالإستقرار، احس باني مهم، و أنني مستمر و متكامل، لا لست أنا الحجر يلقي في الماء، و لكنني البذرة تبرز في الحقل، اذهب الي جدي فيحدثني عن الحياة قبل اربعين عاما، بل ثمانين عاما، فيقوي احساسي بالأمن… احس بالطمأنينة).

 

في المدن هنالك ارواح تسكنها، بعبق نساء مجهولات، نساء لم يُكتب عنهن التاريخ كثيرا، لم يكن نساء مدينتنا الابيض مجرد شريكات في الحياة، و لكن من عمادها الاول، عملن لا من باب الترف و لكنه الإحساس بالواجب النبيل، حتي اضحي الكفاح عندهن خلقا و هادي لحياة كريمة.

 

تجدهم في الاسواق الشعبية، و في الاحياء القديمة، و في اطراف المدن، هؤلاء النساء صنعن اقتصاد ظل و اقتصاد معرفة بما هو متاح، حفظ المجتمع من التصدع، كن بنكا للصبر، و صومعة للحنان، و مدرسة في الكبرياء و الانضباط.

 

هؤلاء النسوة علمن الأبناء و البنات، أن الكرامة ليست في الوفرة، و البسن مفهوم القناعة للأبناء و البنات بأن الشدائد تواجه بالكد و السعي.

 

كانت تلك البطولات بلا ضجيج و لا ادعاء، صنعن مجتمع و خرجن أبناء و بنات، و زرعن في المدينة أخلاق و مُثل و قيم، هؤلاء النساء لا يظهرن كثيرا في السرد عن مدينة الابيض، لانهن كن مشغولات بالفعل لا بالحكاية، و حين انكسر الرجال تحت اثقال الزمن، تماسكن، و كن ترياق حياة، في وجوههن سماحة كردفان، و في كفاحهن شرف العمل.

 

هؤلاء النساء سترن الحال بعفة في الفقر، و كرامة في السعي، و كثير منهن ماتن، و لم يعرف احد انها كانت عماد اسرة كاملة، فالأبيض لم يصنعها الرجال وحدهم و لكن بجهد نسائها الصابرات العاملات.

 

كنا نري الواحدة منهن تطلع من (دغشا) بدرِي، تبدأ يومها و تمضي في سبيل التضحية بتعب، لا يشعرن به، من اجل بناء اسرة من القليل، الي كفاية، و من ضيق الي سعة، و من محن الي صناعة أمل. فيهن شيء من صلابة شجر الهشاب و كبرياء السيال، و عناد الظروف القاسية كشجر الحراز، امهاتي استوعبن المثل القائل:

(المقدور إن وقع ما بنفع الجقليب)، و كان الثبات و ربط الاحزمة.

 

هؤلاء العظيمات من النساء، كن إذا جئن البيت أكلن آخرا، و إذا ضاق الحال وسعن الصدور، و كان فيهن الكبرياء السوداني النبيل.

هؤلاء الامهات، جامعات مفتوحة، يعطين دروسا دون سبورة، و يورثن الشرف كما يورث الإسم.

 

وددت في البداية أن أتحدث عن العاملات المجاهدات من اهلي، و ان كانت الابيض كلها اهل بالتداخلات بين الأُسر، و سأحاول بما اعرفه و ليعذرني الجميع بنسي

 

ابدأ بحجة خادم الله، حبوبة والدي أم حجة زينب بت علي يوسف، التي كانت تفترش مكانا تحت شجرة شمال منزل العم حسن دهب، كانت تبيع فحم، نبق، ويكة، و بعض الأشياء الصغيرة، كانت تلك المساحة الضيقة مملكتها، تبدأ بنظافة المكان، و عرض بضائعها القليلة، رغم اعتراض احفادها لكبر السن، و لكن بقوة شخصيتها لم يفلحوا في منعها و استمرت و ساهمت في بناء الاسرة بالقليل في الميزان المادي و الكبير في معني المشاركة و المساهمة في الحياة.

 

تعود الذاكرة برؤية يدين تتوشح بالفحم كأنها حناء عروس، كاطهر ما رأيت من يدين امونة بت النعيم، ربت بنات و اولاد أروع ما يكون و اوصلتهم الي مراقي بعيدة في الحياة، و رحلت بصمت، و ظلت بصمة في العطاء و التجرد و صنع الحياة.

 

رأينا نساء اهلي العاملات في سوق ابوجهل يخرجن في الصباح الباكر سعيدا للرزق، حاجه الشول بت البر، و حاجه الشول بت خليفة خوجلي، و حاجه مسرة بت البشير، و حاجه عشه بت شبور، هؤلاء النسوة اعطين ما استبقين شيئا، و ساهمن في استقرار اسرهن بعزة و كرامة و جمال في العطاء.

 

قريبتي حجه مسرة بت حسن ود الطيب، التي كانت تبيع الكسرة بشارع النهود جوار البنك السوداني الفرنسي، فيها كبرياء و مكابدة و أصرار علي كسر الحاجة بالبذل و الربح الحلال من حطام الدنيا، مع رائحة الدخان و هو يتصارع مع رئتياها لصناعة حياة، في بنبرها و كأنه ككر مك القبيلة، و تم تكريمها من احد الولاة كنموذج للمواطن الصالح. و خيل لي ان محمد المهدي المجذوب كأنه يعنيها بقولة:

 

في وجهك، هذا الباسم.. حزن الصبر

تفاءل

ما أجمل هذا الحزن الصابر

ما أجمل هذا العمل الساهر

اقبلت إليك اطهر نفسي من اعبائي

اتعلم منك الخير الكاسب

العقل في عينيك

الحكمة ملء يديك

اتعشق حسنك و الاحسان

و اضاحك فيك عزائي

 

كيف لا نذكر الست ستنا بت التوم تلك المرأة الامة، الشاعرة الاقتصادية، أمينة الصندوق، المستوعبة للوعي الاجتماعي، و كيف كان دارها مفتوحة و كل زائر للابيض من الرئيس، لابد من الوقوف عندها لما لها من ثقل اجتماعي، و كل مرشح يتقرب منها لكسب الانتخابات لشعبيتها الطاغية، ربت بنبل و اينع زرعها ببنات و اولاد تربوا بعزة، و شبت الشتلات و آتت اكلها بنجاح فيه كد و عناية أُم ادت رسالتها علي اكمل وجه. و رفدت المجتمع بالاخيار، بالرغم من عصف الظروف و لكنها تغلبت علي اليأس و فتحت طاقة من البذل و العمل بهِمة.

 

و في نفس الحي (الشويحات) نهضت إمرأة عظيمة اخري من عظيمات مدينتي، فاطمة بت العوض، التي اضحت مثالا للأم التي وهبت حياتها من اجل بناتها حتي نلن من الحياة بإستحقاق، وراءة تلك المرأة المتوكلة، بذرت و تفتقت البذرة و وهبت للناس نماذج من العمل بكرامة، و نبل مقصد، اينع أُكله.

 

أُمنا ستنا بت مجذوب الدفاري، شخصية مجتمعية و تقرض الشعر، كاغلب المبدعين من اهلها، كانت صاحبة طرفة و ملاحة في الحديث، ثاقبة الرأي، مسموعة الكلمة، و تشجع فريق الحي، الذي قالت فيه:

شقي شقي البيلاقي تقي

 

حاجه بت عبدالمجيد البر، هاجرت لاميركا بداية الستينات، و عكفت بصبر و يقين ثابت، و ربت اطفالا متمسكين بالدين في مجتمع تصعب فيه التربية، عملت ليل نهار و عملت في رحلتها العملية مع فطاحلة الاكاديميين، د. طه جابر العلواني، أ. محمد ابوالقاسم حاج حمد، د. عبدالوهاب المسيري، و كان توفيق الله زادها في الدنيا، و عبرت بابنائها و بناتها كاحسن ما يكون، و امتد عطائها للاهل، لم اري في حياتي شخص يحاول مداواة كل جرح يظهر في الاسرة الكبيرة، السؤال بإلحاح و أصرار علي العطاء بصدق، و ما تزال تعطي بحب.

 

الاستاذة آمنه السيد مكي اليد عبدالرحيم السيد محمد المكي، مربية من طراز فريد، كانت من رائدات التعليم جابت كردفان و دارفور من اجل نشر التعليم، في ذلك الوقت قليل من النساء نلن قدر من التعليم، و كانت رائدة، و تخرج علي يديها اجيال من نساء الابيض و السودان، و كان ديدنها الايمان بتعليم المرأة و كسب حقوقها و التسلح بالعلم، عضو مؤسس في الجماعية النسائية بالابيض، و سكرتير اتحاد نساء السودان بالابيض، و رئيس فرع جمعية حماية الطفولة و الامومة بالابيض،

 

الاستاذة خدوم عوض، المرأة التي سبقت جيلها، و ساهمت ببذر الوعي لحقوق المرأة، و المساهمة في بناء اتحاد للنساء، و كانت الاستاذة خدوم كرمز للمرأه التي تعي دورها و نهضت مجتمعها.

 

الاستاذة مريم محمد بشير بشارة المرأة المهيبة، المربية التي صنعت اجيال من النساء الواثقات بدورهن في الحياة، الفاعلات في شتي ضروب الحياة، و كانت الاستاذة مريم بشارة هي من نقلت العلم مع الادب لهن.

 

الاستاذة امونة حسين عثمان، الصرامة في التوجية، و الجدية في تقديم العلم، و ان المهنة لديها مقدسة، و ان الانضباط جزء من التربية.

 

الحاجه آمنة ابراهيم من رواد العمل المصرفي، و هي من اوائل النساء اللائي نلن اعلي الدرجات في السلم الوظيفي في المصارف، الذي بدأته منذ ايام بنك باركليز، و سلمي منصور، و أحسان فرج الله و ليلي محمد عيسي، و التي عملت في البنوك الاجنبية و كانت من البارزين في مجال المصارف بشهاداتها الجامعية التي اهلتها لقيادة سيتي بنك بالخرطوم.

 

اسرة الجلابة الهوارة التي انجبت لنا الاستاذة عائشة موسي السعيد زوجة المبدع الشاعر محمد عبدالحي، حيث نالت كورسات متقدمة في اللغة الانجليزية بانجلترا، و قامت بترجمة أعمال زواجها الشعرية للإنجليزية، صارت عضو مجلس رأس للدولة في السودان.

 

و لا ننسي القابلات (الدايات) اللائي قمن بتوليد اغلب امهاتنا، فاطمة و اختها آمنه بت حلوف، و حرب بما ذكر كاكا الداية، و حليمة الشريف، و فاطمة الرضي، و كن بمثابة الأمل في ولادة آمنه، بدون تعقيدات كما يجري اليوم، و بانضباط مهني عالي و حذقن المهنة و خرجنا علي يديهن للحياة.

 

ما ذكرته ليس إحصاء لفضل النساء، ففضلهن أوسع من يحاط، انما هي اشارات وفاء كما حفظته الذاكرة، فإن غابت عني اسماء عظيمات، فذلك قصور مني لا من قِلة المقام، و لي العتبي مقدما لكل اهل الابيض، ان سقط اسم او غابت سيرة.

 

ادعوكم جميعا لاعتبار المقال بداية سجل مفتوح لإضافة سيرة كل عظيمة و كل أم صنعت اسرة بالصبر و الكد، لتصبح عملا جماعيا يشارك فيه أهل الأُبيض، إحياءا لذاكرة المدينة.

 

و يسمّحَن ايامكم جميعا.

 

بكري يوسف البر

ابريل ٢٠٢٦

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى