
دكتور الزين قدّم روشتة للتعاطي القانوني مع الملف،، جرائم الحرب.. توثيق وملاحقة.. الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية..انتهاكات المليشيا.. العدالة الدولية تتيح مسارات متعدّدة للمساءلة..تحرّكات.. بناء منظومة وطنية متكاملة للعدالة..قضية الساعة.. دور كبير للإعلام في رصد آثار الحرب..رقابة على المتورّطين.. تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
دكتور الزين قدّم روشتة للتعاطي القانوني مع الملف،،
جرائم الحرب.. توثيق وملاحقة..
الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية..انتهاكات المليشيا..
العدالة الدولية تتيح مسارات متعدّدة للمساءلة..تحرّكات..
بناء منظومة وطنية متكاملة للعدالة..قضية الساعة..
دور كبير للإعلام في رصد آثار الحرب..رقابة على المتورّطين..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
طرح خبير القانون الدولي والتحكيم وحقوق الإنسان والدراسات الاستراتيجية، دكتور محمد الزين توصيفاً قانونياً للانتهاكات التي شهدها السودان منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م، وأكد الزين خلال حديثه في منبر سونا التنويري رقم 62، أن جرائم القتل والنهب والاغتصاب وتدمير الأعيان المدنية والمنشآت الخدمية تندرج، ضمن الجرائم الدولية التي تستوجب المساءلة، مشيراً بصورة خاصة إلى أن ما جرى في عدد من مناطق دارفور، بينها الفاشر والجنينة، يثير قضايا قانونية تتصل بجرائم الإبادة الجماعية.
الانتهاكات:
ويرى دكتور محمد الزين أن الحرب لم تفرز فقط خسائر بشرية ومادية واسعة، وإنما أنتجت وقائع تستدعي فحصها وفق قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي، وبحسب رؤيته، فإن القتل المتعمد للمدنيين، والعنف الجنسي، والنهب، وتدمير المنشآت المدنية والخدمية، وغيرها من الممارسات التي تحدث أثناء النزاعات المسلحة، يمكن أن تدخل في نطاق الجرائم الدولية متى توافرت الشروط والعناصر القانونية اللازمة لكل جريمة، وهنا تبرز أهمية التمييز بين المصطلحات القانونية، إذ لا يكفي وقوع الانتهاك وحده لإطلاق وصف الإبادة الجماعية، التي تتطلب إثبات القصد الخاص المرتبط بإهلاك جماعة محمية كلياً أو جزئياً، ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة في الحالة السودانية، حيث تتداخل الوقائع الميدانية مع روايات سياسية وإعلامية متباينة، الأمر الذي يجعل التوثيق والتحقق من الأدلة عاملاً حاسماً في تحديد المسؤوليات القانونية، ويشير الزين إلى أن ما حدث في بعض مناطق دارفور، خصوصاً الفاشر والجنينة، يفتح الباب أمام أسئلة قانونية أكثر تعقيداً حول طبيعة الجرائم المرتكبة، وهو ما يستدعي التعامل مع هذه الوقائع عبر أدوات القانون الدولي وليس فقط من خلال السجال السياسي والإعلامي.
رحلة العدالة:
والواقع أن معركة العدالة لا تبدو محصورة في مسار قضائي واحد، وإنما تمتد إلى عدد من الآليات الدولية والإقليمية والوطنية، ويؤكد الخبير القانوني دكتور محمد الزين أهمية التمييز بين محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية؛ فالأولى تنظر أساساً في النزاعات القانونية بين الدول، بينما تختص الثانية بمساءلة الأفراد عن الجرائم الدولية الداخلة في اختصاصها، منوهاً إلى شكوى قال إنه جرى تقديمها أمام المحكمة الجنائية الدولية في يناير 2024م بالتعاون مع عدد من القانونيين، واصفاً ذلك بأنه جزء من التقاضي الاستراتيجي الرامي إلى توظيف الآليات القانونية الدولية في سبيل مساءلة المتورطين في الجرائم، ولا يقف الأمر عند المؤسسات القضائية الدولية، إذ لفت إلى إمكانية الاستفادة من بعض المحاكم الوطنية التي تعمل وفق مبدأ الولاية القضائية العالمية، بما يفتح مسارات إضافية أمام ملاحقة الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم دولية، وفقاً للقوانين والاختصاصات المعمول بها في كل دولة، بيد أن الطريق إلى المحاسبة يظل مرتبطاً بوجود ملفات قانونية قوية، وهو ما يعيد القضية إلى السؤال الأكثر أهمية: أين الأدلة؟ وكيف يتم حفظها وتقديمها؟
الإعلام في قلب المعركة:
خبير القانون الدولي والتحكيم وحقوق الإنسان والدراسات الاستراتيجية، دكتور محمد الزين، وضع الإعلام في موقع يتجاوز نقل الأخبار إلى المشاركة في صناعة سجل تاريخي وقانوني للحرب، ذلك أن التوثيق الإعلامي للانتهاكات، بحسب رؤيته، يمكن أن يمثل أحد مصادر المعلومات المهمة في بناء ملفات المساءلة، شريطة الالتزام بالمعايير المهنية، والتحقق من الشهادات والمواد البصرية، وتحديد الزمان والمكان والجهات ذات الصلة بالواقعة، ولكن الدور الإعلامي لا يخلو من مخاطر، خصوصاً في حرب تتعدد فيها الروايات وتنتشر فيها المواد المضللة والمقاطع المجتزأة، ومن هنا، فإن الصحفي الذي يوثق جريمة لا يؤدي وظيفة إخبارية فحسب، وإنما يتعامل مع مادة قد تصبح لاحقاً جزءاً من ذاكرة الحرب أو مصدراً تستفيد منه جهات التحقيق، وهو ما يفرض على الصحفي قدراً أعلى من الدقة والتحقق وعدم الخلط بين الوقائع المؤكدة والادعاءات، ويرى دكتور الزين أن تكامل الأدوار بين الإعلام والقانون والمجتمع المدني يمكن أن يسهم في بناء منظومة توثيق أكثر فاعلية، تحفظ شهادات الضحايا وتمنع ضياع الأدلة بمرور الزمن.
الهوية والذاكرة:
وبعيداً عن الأرقام والخسائر المباشرة، يلفت الخبير القانوني دكتور محمد الزين إلى جانب آخر من آثار الحرب، يتمثل في تأثيرها على الهوية الوطنية والنسيج الاجتماعي والذاكرة الجمعية للسودانيين، فالحرب، في هذا التصور، لم تقتصر على تدمير المنازل والمنشآت والطرق، وإنما تركت آثاراً أعمق على العلاقات الاجتماعية وعلى صورة الدولة والمجتمع، فضلاً عن النزوح الواسع وفقدان الممتلكات وتشتت الأسر والمجتمعات، ومن ثم، فإن العدالة لا تعني فقط معاقبة الجناة، وإنما تشمل أيضاً إنصاف الضحايا وحفظ الذاكرة ومنع طمس الوقائع أو إعادة إنتاجها في روايات انتقائية، وهو أمرٌ يضع الإعلام أمام مسؤولية وطنية في بناء سجل مهني للحرب، لا يقوم على الانتقام أو التحريض، وإنما على حفظ الحقيقة كما وقعت، بما يساعد الأجيال المقبلة على فهم ما حدث ويعزز فرص المصالحة على أسس صحيحة.
خاتمة مهمة:
على كلٍّ.. يبدو أن السودان مُواجَهٌ بتحدي بناء منظومة وطنية ودولية متكاملة للعدالة بعد توقف العمليات العسكرية، باعتبار أن المحاسبة تحتاج إلى مؤسسات، والتوثيق يحتاج إلى قواعد بيانات، والضحايا يحتاجون إلى حماية وإنصاف، بينما تحتاج الدولة إلى استراتيجية قانونية واضحة تتحرك عبر المسارات الوطنية والدولية في آن واحد، وبالتالي فإن الحاجة تبدو ملحةً إلى تنسيق أكبر بين مؤسسات الدولة والجهات العدلية والقانونيين ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية، بهدف توحيد جهود التوثيق وحفظ الأدلة وإعداد الملفات وفق المعايير القانونية المطلوبة، كما أن المرحلة المقبلة ستضع الإعلام أمام اختبار مختلف؛ فبعد أن كان دور الصحفي الأساسي نقل تطورات المعارك والانتهاكات، سيصبح مطالباً بالمساهمة في توثيق آثار الحرب، ورصد مسارات العدالة، ومتابعة قضايا الضحايا، وتقديم المعلومات للرأي العام بصورة مهنية بعيداً عن التسييس أو التوظيف الدعائي.