الأعمدة

د. محمد شوقي خليل عكاشة يكتب عفوا اخي جمال عنقرة  المراجعة مطلوبة للجميع .. وليس الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وحدهما

د. محمد شوقي خليل عكاشة يكتب

عفوا اخي جمال عنقرة

المراجعة مطلوبة للجميع .. وليس الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني وحدهما

أخي الغالي جمال

 

تحية طيبة وتقديرًا،

 

قرأت باهتمام مقالك الأخير «فعلها البرهان.. فماذا تفعل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني»، وتوقفت بصورة خاصة عند دعوتك الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني إلى مراجعة تجربتهما بجدية، ليس فقط من زاوية ما حدث بعد سقوط الإنقاذ، وإنما من خلال السؤال الأعمق: لماذا انتهت التجربة إلى ما انتهت إليه، وما الذي ينبغي تغييره قبل التفكير في إعادة تقديم المشروع السياسي في صيغة جديدة؟

 

أرى أن هذه الفكرة يمكن البناء عليها وتوسيعها لتصبح مبدأً وطنيًا عامًا، يتجاوز الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني ليشمل مختلف القوى السياسية والمدنية والعسكرية التي أسهمت، بدرجات ومسؤوليات مختلفة، في تشكيل الأزمة السودانية.

 

من مراجعة طرف إلى مراجعات متوازية

 

إذا كانت الحركة الإسلامية مطالبة بمراجعة تجربتها، فمن المفيد أن تُطرح الأسئلة نفسها على بقية القوى:

 

ما الذي أخفقت فيه القوى المدنية بعد الثورة؟

ما مسؤولية الأحزاب التقليدية عن ضعف البناء الديمقراطي؟

ما الذي ينبغي أن تراجعه الحركات المسلحة في تجربتها السياسية والعسكرية؟

وما الذي يتعين على المؤسسة العسكرية والقوى المسلحة الأخرى مراجعته بشأن العلاقة بين السلاح والسياسة والدولة؟

 

المقصود هنا ليس مساواة المسؤوليات أو تجاوز قضايا العدالة والمساءلة، وإنما الانتقال من ثقافة تبادل الاتهامات إلى ثقافة تحمل المسؤولية والمراجعة الذاتية.

 

المراجعة بوابة للمشاركة لا أداة للإقصاء

 

يمكن أن يقوم المبدأ على معادلة بسيطة:

 

لا إقصاء دائم، ولا عودة إلى المجال السياسي بلا مراجعة ومساءلة.

 

وبذلك لا تصبح الدعوة إلى الحوار شهادة براءة لأي طرف، كما لا تصبح أخطاء الماضي مبررًا لإغلاق المجال السياسي إلى الأبد أمام قطاعات اجتماعية وسياسية واسعة.

 

نحو «مساحة مشتركة»

 

وهنا أرى نقطة التقاء محتملة بين ما طرحته في مقالك وبين مفهوم «المساحة المشتركة» الذي نتداول حوله. و يمكنني أن أشارككم بمفهوم المساحة المشتركة كما تم تنفيذه في نزاعات أهلية في كثير من الدول.

 

فبدل أن يبدأ الحوار السوداني بالسؤال:

 

من يحق له المشاركة ومن ينبغي إقصاؤه؟

 

يمكن أن يبدأ بسؤال مختلف:

 

ما المبادئ التي ينبغي أن نقبل بها جميعًا حتى نستطيع الجلوس معًا وبناء دولة جديدة؟

 

تقوم كل قوة بمراجعتها الداخلية أولًا، ثم تلتقي خلاصات هذه المراجعات في مساحة وطنية مشتركة لا تهدف إلى إنشاء تحالف سياسي جديد أو توزيع السلطة، وإنما إلى البحث عن الحد الأدنى الوطني الذي يمكن أن يتعايش تحته المختلفون.

 

وقد يشمل هذا الحد الأدنى، على سبيل المثال:

 

– وقف الحرب ورفض استخدام العنف وسيلة للوصول إلى السلطة.

– وحدة السودان واحترام تنوعه.

– المواطنة المتساوية وسيادة القانون.

– التداول السلمي للسلطة.

– استقلال مؤسسات الدولة عن الأحزاب والقوى المسلحة.

– العدالة والمساءلة والمصالحة الوطنية.

– توسيع المشاركة السياسية من القاعدة إلى المركز.

– قبول الاختلاف السياسي باعتباره جزءًا طبيعيًا من المجتمع، وليس تهديدًا للدولة.

 

السؤال الذي أطرحه عليك

 

لذلك ربما يكون السؤال الذي يفتحه مقالك أكبر من مستقبل الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني:

 

هل يمكن تحويل مبدأ المراجعة الذاتية إلى مدخل لحوار سوداني شامل، بحيث تقوم القوى المختلفة بمراجعات متوازية لتجاربها، ثم تلتقي في «مساحة مشتركة» لصياغة الحد الأدنى الوطني الذي يمكن أن يؤسس لعقد سياسي واجتماعي جديد؟

 

أعتقد أن مثل هذا المسار قد يساعدنا على الانتقال من النقاش حول من أخطأ أكثر إلى النقاش حول كيف نمنع جميعًا إعادة إنتاج الأخطاء التي أوصلت السودان إلى هذه اللحظة.

 

وهي في تقديري مساحة تستحق التفكير والحوار.

 

مع خالص التقدير والمودة،

نستمر و ما نقيف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى