الأعمدة

رمضان محجوب.. يكتب : ​أنواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة 55 ​جراحات الداخل

رمضان محجوب.. يكتب :

​أنواء الروح… شهادة قلم عاصر الانكسار الحلقة 55

​جراحات الداخل

​▪️ تبدأ حقيقة الأزمة بوضوح حين يظن القادم من خلف الحدود، أو المتابع من خلف الشاشات بعيداً عن لهيب حرب المليشيا وتبعاتها، أن جرح الوطن المفتوح يبرأ بالتمني السطحي والكلام المعسول، فتتسع الشقة بين وهم المغترب العائد إلى ذكريات الأمس وقسوة الداخل الذي يفرم زينة الأيام؛ فالمغترب يرى تفاصيل البلايا عبر نافذة نظيفة، بينما يعيشها ابن الداخل “حارّة” وصراخاً عارياً على أرصفة الخوف في ساعات موحشة لا ترحم.

​▪️ هذا التباين الكبير يصنع جفوة الخذلان في نفوس المقيمين بأمان المنافي، ليقابلهم جفاء جاف من أهل الداخل الذين يوقنون أن من غادروا قد “قلعوا سلالهم” وفروا ساعة اشتعال المحنة؛ وهنا تفرخ قطيعة خفية بين شطري الدار الواحدة، ينعزل فيها كل طرف بخندقه الفكري الحاد، ويخفت صوت الوصل الإنساني ليحل محله العتب وتأويل النوايا بحسب مسافة الكيلومترات لا على قياس الأوجاع التي تحرق الصدور في الدواخل.

​▪️ لقد تعاظمت هذه الخيبة وتفاقمت طعناتها بفعل حرب المليشيا التي أشعلت نيران الخراب في العيش اليومي، فطالت المستشفيات والبيوت الآمنة فقطعت “مواسير المياه” وخطوط الكهرباء لتبث الرعب في نفوس الأبرياء، وتخلق واقعاً جبرياً من النزوح شرد ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لبطش هذه المليشيا الإجرامية التي لا تراعي إلاً ولا ذمة في خلق الله أجمعين.

​▪️ أسفرت هذه الحرب عن دمار واسع مزق نسيج المدن والقرى تاركة العائلات تتجرع كأس “النزوح الكبير” مراراً عبر الحدود نحو دول الجوار، لتبقى ندوبها غائرة في ذاكرة شعب يأبى الانكسار ويواجه أبشع صنوف التنكيل والتهجير؛ وهو واقع لا يستقيم لعاقل أن يتجاوزه حين يشرع في وصف أزمة الداخل ومقاربتها مع قهر الشتات والبعاد المر الذي طال أمده بلا هوادة في أفقنا اليومي.

​▪️ هذا الواقع الدامي يغذي شرخ القلوب بين الداخل والخارج، إذ يتضاعف قهر المغترب وهو يتابع عبر شاشات الهواتف حرائق أهله وأنين العشيرة، بينما يكتوي المقيم بنار الحصار وفقد الأحباء، لتنطلق أحياناً حملات من التراشق متجاهلة تماماً حجم العدوان الغاشم الذي يستهدف كيان الوطن ومقومات بقائه الأصيلة دون وجه حق سوى البغي المستمر على تراب هذا البلد الأبي.

​▪️ ويتغذى هذا الشرخ على شح المعلومة الصحيحة وانقطاع حبل الوصل الآمن في زمن الحرب، إذ “تقطعت حبال الود” وتوقفت خطوط “الإنترنت والاتصالات” تماماً، فتكسرت الجسور التي كانت تشد أزر العائلات في مسالك الحياة، وبات كل إنسان محبوساً في هواجسه وخوفه الدائم من فاجعة الفقد والانتظار المر على أرصفة المجهول الموحش الذي يخيم ببرودته على الروح والذاكرة بلا استثناء يذكر.

​▪️ ويدفق هذا الانقطاع على شكل أسئلة جريحة لا تجد جواباً يروي الغليل أو يطفئ جمر الشوق، وكأن عقارب الزمن قد سُمّرت في محطة الوداع الأولى التي انفرطت فيها حبات الألفة، بينما تتسارع مآسي الداخل بصنون جنونية تعجز أفهام الغائبين عن تصور حجم الكارثة على الأرض التي تدق الأساسات وتأكل الأخضر واليابس من غير تريث أمام هول المأساة المستمرة التي أنهكت العباد وضيقت سبل العيش.

​▪️ يكمن الوجه المعتم لهذا التمزيق في سوء التفاهم المستحكم حول الأولويات، وغياب أي تنسيق عاقل بين طاقات الخارج ووجع الداخل، لنجد الدعم يصل محملاً بنظرة استعلاء لا تلامس عصب الجرح للمواطن المنهك، وتتحول وسائل التداعي الافتراضية إلى مجالس محاكمة وتخوين متبادل بين أبناء الوطن الواحد بدلاً من أن تكون واحات دافئة للتكاتف والتراحم وإصلاح ما أفسدته ريح الحرب العاتية.

​▪️ يبرز هذا الظلام بكليته حين يصر نفر من المغتربين على توزيع النصائح المعلبة في الصبر على من تتطاير حولهم شظايا المدافع، ناسين أن جياع الأبطان وارتجاف الأرواح المرتعبة لا يسد رمقهم الكلام المصفف ولا الشعارات الباردة التي لا تجلب سوى مزيد من الوحشة وتعميق الجراح النازفة بلا توقف تحت سقف واحد يشتعل بالخوف والأسى العميم في ظل هذه المحنة.

​▪️ تتجسد فصول هذا العبث في معارك الوهم عبر مجموعات التواصل بلا طائل، ليُرمى ابن الداخل بالتخوين لأنه سعى لكسرة خبز حلال وسط رماد الخراب، ويُتَّهم ابن الخارج بالترف لأنه نعم بشيء من الاستقرار النسبي، ضائعين دماء الأبرياء بين طواحين التهم والخصومات العبثية التي لا تخدم سوى صفوف الشتات وقوى الخراب المتربصة بالبلاد منذ بدء هذه المحنة السوداء التي أثقلت كاهل الجميع.

​▪️ تبرز في المقابل ومضات الأصالة والنور لتكحل عين العتمة وتضيء دروب الأمل، حيث تتجلى مروءة السودانيين في “تكيات الأحياء” وغرف الإغاثة وحواضن الشباب الطوعية التي تمد يد العون بصمت وتكافل، عندما ينهض العقلاء لردم الفجوة بمبادرات تضامن عميقة تتجاوز صخب الإعلام الزائف لتلمس نبض العيش البسيط وتزرع السكينة الهادئة في نفوس أنهكتها ليالي النزوح والمرارة في دروب الشتات.

​▪️ هذه المعالم تضيء بصدق ونقاء على أيدي أولئك الأوفياء الذين يديرون قنوات إسناد نزيهة بلا منّ ولا أذى، أو المغتربين الذين يحملون همّ أهلهم بصمت وجهد خالص بعيداً عن كاميرات الاستعراض والبطولات الزائفة، ليؤكدوا بالعمل المجرد لا بالقول المكرر أن دفء الضمير قادر على إذابة جليد المسافات حين يستبد شتاء الروح المقفر بكل تفاصيله المؤلمة والموجعة لقلوب الجميع في شتى المنافي.

​▪️ يطل النور الجميل من نافذة التواصل الحنون الذي يتحدي ثقل الأيام وسط انعدام السيولة وشح المعاش وقسوة الظروف، ليسعى البعض لمد حبال الأمل وإرسال الدعم بهدوء تام يرفض الضجيج، مبرهنين بكل وضوح أن عرى الدم والأرض والتراب أمتن بكثير من أن تبددها عواصف الشتات والنزوح والبعاد القسري الذي فرضته الأقدار القاهرة على الجميع دون استثناء في هذا الظرف التاريخي العصيب والمتردي.

​▪️ والوطن أبعد بكثير من أن يكون مجرد مساحة جغرافية عابرة نتبادل فوقها رسائل الشوق والعتاب، بل هو “عمود” مشترك نتقاسم أثقاله الفادحة أو ننحني تحته معاً؛ وحين ندرك بيقين أن قاعدي الداخل ونازحي والمغتربين في الخارج شركاء أساسيون في ذات المأساة، سيتهاوى غرور المسافات المفتعل وتلتحم القلوب الولهة على عتبات العودة والرجاء ليعود للوطن بهاؤه وعافيته المسلوبة التي طال انتظارها بين المفقودين.

​▪️ عموماً.. يستوجب بناء هذا العمود المتين أن يتخلى الطرفان عن كبرياء الجرح وأوهامهما العابرة؛ فابن الخارج مطالب بالتواضع أمام فجيعة الداخل وما آلت إليه الأمور القاسية، بينما يتسع صدر ابن الداخل لضعف إخوته بالمنافي وتخبطهم تحت وطأة القلق المرعب على مصير الأحبة في جحيم الحرب، لنندمل معاً ونبرى من أوجاعنا متكاتفين، وتبقى عافية الجسد كله مرهونة بشفاء أجزائه مهما تكالبت عواصف الضياع والفرقة وليل الغربة الطويل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى