
رمضان محجوب… يكتب : صارحوا المواطن!
رمضان محجوب… يكتب :
صارحوا المواطن!
■ لم يعد الصمت مقبولاً من حكومة الولاية الشمالية، فالمواجهة المباشرة مع الرأي العام باتت ضرورة لقطع الطريق على سماسرة الشائعات والمزايدات السياسية. غياب المعلومة الرسمية هو الذي ترك الساحة نهباً للمضللين، في وقت تضيع فيه الحقائق بين مجهودات الفنيين الميدانية وعقبات البيروقراطية المالية، مما يستدعي صراحة تضع المواطن في قلب التحدي وتشركه في هموم المرحلة بوعي ووضوح تام.
■ تشخيص الحالة الفنية بلا تجميل يؤكد أن استقرار التيار النسبي الحالي ليس حلاً جذرياً، بل نتج عن “جراحة طوارئ” هندسية قام بها مهندسو سد مروي لترميم ما دمره هجوم المليشيا الغادر. المحول الرئيسي يعمل الآن بـ “كفاءة هشة” وتحت ضغط فني هائل، وأي محاولة للتستر على هذا الوضع الحرج ستضع الحكومة في صدام مباشر مع الشارع عند وقوع أي أعطال مفاجئة قد تفرضها طبيعة الإصلاحات المؤقتة.
■ يبدأ أفق الحل الفعلي من مكاتب القرار بالخُرطوم، وتحديداً وزارة المالية، فإذا كانت العقول السودانية قد تحدت الصعاب وأضافت 250 ميقاوات للشبكة حين فرَّ الأجانب، فإن الكرة الآن في ملعب الدولة لتوفير الميزانيات اللازمة لجلب محولات أصلية. الحل الجذري يحتاج قراراً سياسياً شجاعاً ينهي سياسة “اللحظة الأخيرة” والاجتهادات التي لا يمكنها ضمان استقرار الإمداد على المدى الطويل مهما بلغت براعتها.
■ يقع على عاتق حكومة الولاية أن تخرج للناس بلسان مبين، فرغم إحاطتي بوجود جهود جبارة تبذلها الحكومتان الاتحادية والولائية في هذا الملف، إلا أنني لست الجهة المخولة بالإعلان عنها. الواجب يفرض على السلطة المحلية الإفصاح عن خطواتها العملية في خطاب يخرس ألسنة الفتنة، ويؤكد للمواطن أن هناك عملاً حقيقياً يجري في الخفاء بعيداً عن ضجيج المتربصين الذين يقتاتون على الأزمات المعيشية.
■ يستحق المواطن معرفة مصير التعاقدات لشراء المحولات البديلة، وهل لا تزال حبيسة الأدراج والبيروقراطية؟ إن المكاشفة بالخطوات والمدى الزمني المتوقع للحل هي السد المنيع ضد الاستغلال السياسي لأوجاع الناس الذين سئموا الغموض والوعود “العرقوبية”. الوضوح هو السلاح الوحيد لانتزاع الثقة المفقودة وردع الأصوات المتشنجة التي تستغل معاناة الناس لتمرير أجندات خاصة لا تخدم استقرار الولاية.
■ يواجه قطاع الكهرباء معركة غير متكافئة، فشركة الكهرباء القابضة مجرد جهة تنفيذية جُردت من سلطة القرار المالي الذي تملكه وزارة المالية وحدها. توضيح هذا الاختلال الإداري ضروري لكي لا تُوجه سهام النقد للمهندس الذي يصارع الموت فوق الأبراج، بينما تكمن العقدة الحقيقية في تباطؤ الصرف المالي لقطاع يمثل شريان الحياة القومي، وهو خلل يجب أن يُعالج من قمة الهرم لا من قاعدته الفنية.
■ تبرهن تجربة إعادة الكهرباء للخرطوم وسنار والجزيرة من “نقطة الصفر”، رغم التخريب الممنهج وسرقة النحاس، أن الإرادة الوطنية قادرة على صنع المعجزات متى ما توفر الدعم. يحتاج الأمر في الشمالية لتنسيق أسرع وحسم لملف الكهرباء كقضية “أمن وجودي”، فاستقرار هذه الولاية هو صمام أمان لإنتاج الغذاء وملاذ للنازحين، وأي تهاون في تأمين خدماتها هو مغامرة غير محسوبة بمستقبل الاستقرار في البلاد.
■ عموماً، لن تستقيم الأمور ما لم نُنصف المخلصين ونحاسب المقصرين بوضوح، فدماء الشهداء الذين سقطوا وهم يعيدون الضياء تحت أزيز الرصاص يجب ألا تضيع في زحام الشائعات. كلمة “أحسنت” واجبة للفنيين المرابطين، وصيحة “أين الحل” تظل سؤالاً مشروعاً في وجه المسؤولين، لكي لا تظل ذاكرتنا “سمكية” ننسى فيها تضحيات الأبطال عند أول انقطاع، ونغفل عن مطالبة أصحاب القرار بواجباتهم الوطنية.