ثقافة وفنون

روشتة في بريد الاسرة … اختصاصي الصحة العامة /

اسماء قسم الله

«عيد الأضحى في ظل الحرب»«انتصارات الروح في زمن الأوبئة»
كل عام يأتي عيد الأضحى حاملاً معه بشائر الفرح ولمّ الشمل، لكن في السودان هذا العام، تختلط بهجة العيد بمرارة الواقع. فالاحتفال بالذبيحة والأضحية يتزامن مع انتصارات متناثرة هنا وهناك، وأشباح الأمراض تلوح في الأفق، بينما تشهد البلاد تغيرًا جذريًا في التركيبة السكانية، خاصة في العاصمة الخرطوم. كيف يمكن لروح العيد أن تسمو فوق هذه التحديات، وماذا تخبئ لنا هذه التحولات الديموغرافية؟
الانتصارات الصغيرة وسط التحديات الكبرى في خضم التحديات الجسيمة التي يواجهها السودان، يمكن للعيد أن يكون فرصة للتركيز على “الانتصارات الصغيرة”. ليس بالضرورة انتصارات عسكرية، بل انتصارات على اليأس، انتصارات للصمود، انتصارات للحياة نفسها والقدرة على الاحتفال بالعيد، ولو في ظل ظروف صعبة، هو بحد ذاته انتصار على الظروف القاسية قدرة الأسر على التماسك وإعادة بناء روابطها في أماكن النزوح ودعم الجهود الذاتية للمجتمعات المحلية في توفير الدعم والمساعدة للنازحين. الإصرار للعودة إلى الديار، ولو بعد حين، هو انتصار للإرادة.وهنالك معادلة صحية معقدة لطالما ارتبط عيد الأضحى في السودان بتجمع الأسر والأقارب، وتبادل الزيارات. لكن هذا العام، ومع انتشار الأمراض والأوبئة، خاصة الكوليرا والحصبة وحمى الضنك في بعض الولايات، يصبح التجمع محفوفاً بالمخاطر و يفرض هذا الواقع تحدياً جديداً على كيفية الاحتفال بالعيد وضرورة تشديد الإجراءات الوقائية، من غسل الأيدي إلى تجنب التجمعات الكبيرة قدر الإمكان،ان الضغط الهائل على المنظومة الصحية الهشة يزيد من صعوبة التعامل مع أي تفشٍ محتمل للأمراض خلال فترة العيد و التأكد من الذبح الآمن والصحي للحوم وتخزينها، لتجنب أي مشاكل صحية مرتبطة بالغذاء والواقع الديموغرافي الجديد
التحول الأبرز والأعمق الذي يربطه العيد بالواقع الراهن هو التغيير الجذري في التركيبة السكانية للسودان، لا سيما في الخرطوم. العاصمة التي كانت مركز الثقل السكاني، باتت اليوم أقل كثافة بكثير، مع نزوح الملايين إلى الولايات الأخرى أو خارج البلاد.
هذا التغيير له تداعيات بعيدة المدى من تزايد الضغط على البنية التحتية والخدمات في الولايات التي استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين و تحديات إعادة الإعمار وإعادة تأهيل الخدمات في العاصمة بعد عودة الحياة إليها تدريجيا و إعادة تشكيل المجتمعات المحلية والروابط الاجتماعية في الأماكن الجديدة، مع تحديات الاندماج واندماج الثقافات المختلفة وتغير تبعا لذلك أنماط الاستهلاك والإنتاج في الولايات المختلفة، وظهور تحديات وفرص اقتصادية جديدة.
عيد الأضحى هذا العام في السودان ليس مجرد مناسبة دينية، بل هو مرآة تعكس واقعاً معقداً من الصمود والتحديات والتحولات الديموغرافية. إنه يذكرنا بأن الانتصارات قد لا تكون دائماً ظاهرة للعيان، وأن الصحة العامة تظل أولوية قصوى، وأن خريطة السودان البشرية تتغير بوتيرة لم يسبق لها مثيل. يبقى الأمل معقوداً على أن تعود البلاد إلى سابق عهدها، وأن تتحول هذه التحديات إلى فرص لبناء مستقبل أفضل.
وكل عام وانتم بخير

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى