الأعمدة

   *سلسلة مقالات*   _وهج الضمير_   *من القلب إلى الوطن* … ✍️ 🖋️ أحلام محمد إبراهيم نصر تكتب…

 

*سلسلة مقالات*

_وهج الضمير_

*من القلب إلى الوطن* …

✍️ 🖋️ أحلام محمد إبراهيم نصر تكتب…

المقال رقم ( *6* )

*بين شهادة رشان أوشي* … _ونساءٍ خلف الأسوار ينتظرن الحماية_ … *ومؤسسةٌ جماهيريةٌ عريقة، تملك الخبرة* _والامتداد… لكنها تفتقد إلى التمكين_

 

في البدء، أتقدم إلى الأستاذة رشان أوشي بخالص التهنئة على سلامتها، وأحمد الله تعالى أن أعاد إليها حريتها بعد أن قالت العدالة كلمتها. وأحيّي فيها ذلك القلم المسؤول الذي لم يجعل من التجربة مساحةً للشكوى أو لتصفية الحسابات، وإنما حوّلها إلى شهادة إنسانية صادقة تستحق أن تُقرأ بعقولنا قبل أعيننا.

لقد خرجت رشان من السجن، لكن قلمها لم يخرج منشغلًا بذاته، بل حمل معه وجوهًا وأسماءً وحكايات لنساء تركتهن خلف الأسوار، وكأنها أرادت أن تقول إن الحرية لا تكتمل إذا نسينا من لا يزلن ينتظرن من يسمع أصواتهن. وهنا تتجلى قيمة الكلمة الصادقة؛ فهي تجعل من التجربة الخاصة قضيةً عامة، ومن الألم الشخصي نافذةً نطل منها على أوجاع وطن بأكمله.

لقد قرأت شهادتها أكثر من مرة، فلم أجد نفسي أمام حديث عن السجون بقدر ما وجدت نفسي أمام مرآة تعكس ما فعلته الحرب بالمجتمع السوداني. فالحرب لا تُقاس خسائرها بعدد القتلى والجرحى والبيوت المهدمة فحسب، وإنما أيضًا بما خلّفته من فقر ونزوح، وتفككٍ أسري، وعنف، وانهيارٍ لمنظومة الحماية الاجتماعية، دفعت كثيرًا من النساء إلى خيارات لم يكنّ ليعرفنها في حياة آمنة مستقرة.

ولعل أكثر ما أعجبني في شهادتها أنها كانت منصفة؛ فقد أشادت بإدارة السجن وما لمسته فيها من انضباط وإنسانية، كما أنصفت النزيلات، فلم تنظر إليهن من زاوية الاتهام، وإنما من زاوية الإنسان الذي قد تعصف به الظروف، فيجد نفسه في مكان لم يكن يتخيله يومًا.

وهنا تبرز الرسالة الأهم؛ فمثل هذه القضايا لا يمكن أن تظل مسؤولية القضاء أو الشرطة أو إدارة السجون وحدها. فهذه مؤسسات تؤدي واجبها وفق القانون، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة الجذور الاجتماعية والنفسية التي تنتج هذه المآسي. إننا بحاجة إلى مشروع وطني متكامل يقوم على الوقاية، والدعم النفسي، والتأهيل، وإعادة الإدماج، وتمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا، حتى لا تتحول آثار الحرب إلى أزمات متوارثة.

*ومن هذا المنطلق، لا بد من طرح سؤال مهم: أين دور الاتحاد العام للمرأة السودانية* في هذه القضايا؟ *أطرحه وأنا في قمة هرمه* …!!

إن الاتحاد ليس مجرد تنظيم نسوي، بل مؤسسة وطنية عريضة تضم أكثر من سبعة ملايين امرأة، ولها أكثر من سبعة وثلاثين ألف فرع تمتد في ولايات السودان ومحلياته وقراه، وتضم كوادر مؤهلة تمتلك رؤى وبرامج في الحماية الاجتماعية، والدعم النفسي، وتمكين المرأة، ورعاية الأسرة، ومعالجة الآثار الاجتماعية للحرب.

ورغم أن الاتحاد عاد إلى ممارسة نشاطه بعد فك تجميده، وظل يعمل في ظروف بالغة الصعوبة بجهود عضواته، وإمكاناته الذاتية، ومساهمات الأفراد، فإن كثيرًا من خططه لا تزال حبيسة الأدراج، كما أن *استراتيجيةً خمسيةً طموحة لم ترَ النور* ، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل طاقة وطنية مخلصة.

وأؤكد هنا أن الاتحاد تنظيم نسوي جامع، يضم في عضويته وقيادته مختلف ألوان الطيف السوداني، ويعكس تنوع المجتمع جغرافيًا وثقافيًا وفكريًا، ويرفع شعار: “الاتحاد للجميع… ولكلٍّ حزبه.”

والحديث عنه ليس دفاعًا عن مؤسسة بعينها، وإنما دعوة إلى *الاستفادة من طاقات وطنية قائمة* تستطيع أن تسهم في معالجة كثير من القضايا التي تعجز الأجهزة الرسمية وحدها عن الإحاطة بها.

فالعمل مع النساء، خاصة في المجتمعات المتأثرة بالحرب، لا ينجح بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما يحتاج إلى وجود مجتمعي دائم، وإلى بناء الثقة داخل الأحياء والقرى ومراكز النزوح، وهو الدور الذي تضطلع به التنظيمات الوطنية الجماهيرية في كثير من دول العالم، حيث تُعد شريكًا أصيلًا في تنفيذ السياسات الاجتماعية.

*ومن هنا، فإنني أجدد النداء إلى* مؤسسات الدولة بأن ترعى هذه المنظمات الجماهيرية وتمكنها، وأن تهيئ لها البيئة التي تمكنها من أداء رسالتها الوطنية، وأن تستثمر خبراتها وكوادرها، بدلًا من أن تبقى طاقاتها معطلة، بينما تتسع احتياجات المجتمع يومًا بعد يوم.

*إن السؤال الحقيقي ليس* : هل يحتاج الاتحاد إلى الدولة؟ بل: هل تستطيع الدولة، في هذه المرحلة الدقيقة، أن تستغني عن مؤسسة تمتلك هذا الامتداد الشعبي، والخبرة المتراكمة في العمل مع النساء والأسر؟

لقد تجاوزت شهادة رشان أوشي حدود التجربة الشخصية، لتصبح رسالة إلى المجتمع كله. فهي تذكرنا بأن خلف كل قضية إنسانًا، وخلف كل رقم قصة، وأن بناء السودان لا يبدأ بإعمار الطرق والجسور وحدها، وإنما بإعمار الإنسان، وجبر كسره، واحتضان الضعفاء، وإعادة الأمل إلى من أنهكتهم الحرب.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي خرجت به رشان أوشي من خلف الأسوار، والدرس الذي ينبغي أن نخرج به جميعًا من بين سطورها: أن الوطن لا ينهض بالعقوبات وحدها، بل بالرحمة والعدل، وبمؤسسات وطنية قوية تتكامل فيها جهود الدولة والمجتمع، حتى يعود السودان أكثر تماسكًا وإنسانية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى