الأخبار

شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com  خارطة الخلاص: نحو سودانٍ بلا ملاريا

شيء للوطن

م.صلاح غريبة – مصر

Ghariba2013@gmail.com

خارطة الخلاص: نحو سودانٍ بلا ملاريا

في العشرين من أبريل، لم يكن “اليوم الوطني للصحة” مجرد خانة في التقويم الإداري للدولة، بل كان لحظة مكاشفة حقيقية وإعلان حربٍ شاملة ضد عدوٍّ تاريخي استنزف طاقات السودانيين وأرواحهم لعقود. حين ترفع الدولة شعار “نحو سودان خالٍ من الملاريا”، فهي لا تطلق أمنيات عابرة، بل تضع حجر الأساس لمشروع نهضوي متكامل؛ فالعلاقة بين الصحة العامة ومعدلات التنمية علاقة طردية لا تقبل الجدل، والملاريا تحديداً ظلت تمثل القيد الأثقل الذي يكبّل قوى الإنتاج في بلادنا.

إن الاحتفاء بهذا اليوم في ولايات محورية كالقضارف والجزيرة يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فهذه المناطق التي تمثل سلة غذاء السودان وقلبه الزراعي النابض، هي ذاتها المناطق الأكثر عرضة لتحديات النواقل البيئية. وهنا تبرز أهمية “الرؤية الاتحادية” التي تُرجمت إلى تحركات ميدانية تهدف إلى كسر حلقة انتقال المرض عبر مسارين متوازيين، المسار التقني والعلاجي ويتمثل في تعزيز نظم “الترصد المرضي” وتفعيل البلاغات في المؤسسات الصحية كافة، العامة منها والخاصة، لضمان الاكتشاف المبكر للحالات وتوفير العلاج وفق أحدث البروتوكولات المعتمدة، والمسار الوقائي والميداني وهو حائط الصد الأول، حيث تبرز أهمية “الرش ذو الأثر المتبقي” الذي أثبتت الإحصاءات قدرته الفائقة على تقليص وجود الطور الناقل بنسبة تتجاوز 85%. يضاف إلى ذلك ردم البرك، وتوزيع الناموسيات المشبعة، ومكافحة “ملاريا المدن” التي باتت تشكل ضغطاً إضافياً على المراكز الحضرية.

إن الرسالة الأهم التي حملها اليوم الوطني للصحة هي أن “الصحة للجميع وبالجميع”. لم تعد المعركة قاصرة على ردهات المستشفيات أو مختبرات وزارة الصحة، بل انتقلت إلى عمق المجتمع. إن إشراك “ربات البيوت” ولجان المرأة والمبادرات الشعبية في نشر الوعي الصحي يمثل تحولاً جذرياً في استراتيجية المواجهة.

“التوعية المجتمعية ليست مجرد ملصقات تُعلق، بل هي ثقافة يومية تبدأ من تجفيف بؤر التوالد في المنازل وتنتهي بالالتزام الكامل بوسائل الوقاية الشخصية.”

عندما تصل الرسالة الصحية إلى كل أسرة، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو القضاء على المرض. فالملاريا ليست مجرد عبء صحي، بل هي عبء اقتصادي يستنزف دخل الأسر ويقلل من قدرة الطلاب على التحصيل العلمي، ويحرم الدولة من آلاف الساعات الإنتاجية سنوياً.

لقد عكس هذا اليوم الوطني تنسيقاً رفيع المستوى بين مجلس الوزراء ووزارة الصحة الاتحادية والمنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة. هذا “التناغم المؤسسي” هو الضمانة الوحيدة لاستدامة الحملات الصحية. الجهود الموسمية لم تعد تكفي لمواجهة تحديات معقدة تشمل أيضاً “حمى الضنك” و”الكلازار”، مما يستوجب استراتيجية “الإصحاح البيئي الشامل” التي لا تكتفي برد الفعل، بل تبادر بتهيئة البيئة لمنع حدوث الأوبئة من الأساس.

إن “اليوم الوطني للصحة 2026” يجب أن يظل نقطة تحول فارقة. التحية والتقدير لجنود الخطوط الأمامية من كوادر طبية وفني معمل وعمال صحة بيئة، الذين يعملون في ظل تحديات بالغة التعقيد لحماية الإنسان السوداني.

إن حلم “سودان خالٍ من الملاريا” ليس مستحيلاً، ولكنه يتطلب نفساً طويلاً، وإرادة سياسية صلبة، ومجتمعاً واعياً يدرك أن الوقاية هي الاستثمار الأربح للمستقبل. الطريق بدأ من القضارف ومدني والخرطوم، ولن ينتهي إلا بتطهير كل شبر من أرض الوطن من هذا الناقل الفتاك، ليتفرغ السودان لبنائه وتنميته بعيداً عن أوجاع المرض.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى