
شيء للوطن م.صلاح غريبة – مصر Ghariba2013@gmail.com
شيء للوطن
م.صلاح غريبة – مصر
Ghariba2013@gmail.com
حلم التكامل في زمن الانقسام: مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ومستقبل السودان
تمرّ العقود وتتبدل الخرائط السياسية، وتظل الفكرة القومية تبحث عن جسد اقتصادي يحملها نحو الواقع. في ذكرى تأسيس مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، لا يمكننا الاكتفاء بقراءة السطور التاريخية لبروتوكول التأسيس الذي أبصر النور في ستينيات القرن الماضي تحت مظلة جامعة الدول العربية؛ بل إن الواجب يفرض علينا تفكيك راهن هذه المؤسسة العريقة، واستشراف مستقبلها في ظل نظام عالمي وإقليمي يعاد تشكيله بالكامل.
اليوم، يتشكل المجلس من 10 دول أعضاء (مصر، الأردن، ليبيا، السودان، فلسطين، سوريا، اليمن، موريتانيا، الصومال، وجزر القمر)، وهي توليفة جغرافية وبشرية تمتد من قلب المشرق العربي إلى أعماق القرن الأفريقي والمحيط الهندي. ورغم أن المقر الدائم للمجلس يقع في قلب القاهرة—بما تمثله من ثقل استراتيجي وتاريخي—إلا أن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه في هذه الذكرى: هل يمتلك المجلس اليوم الأدوات المرنة للتحول من دور “المنسق البيروقراطي” إلى دور “المحرك التنموي” الذي تتطلبه المرحلة الحالية؟
إن البيئة الاقتصادية العالمية الحالية لا تعترف بالنيات الطيبة أو الاتفاقيات المودعة في الأدراج. تواجه دول المجلس تحديات مركبة؛ فبعضها يعاني من تبعات النزاعات المسلحة، والبعض الآخر يواجه أزمات مديونية وهيكلية، في حين تظل قضية الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد الهاجس الأكبر للجميع.
للانتقال بالمجلس إلى مرحلة الفاعلية، تتلخص متطلبات المرحلة في نقاط منها، ضرورة إعادة تعريف الأولويات، فلم يعد الهدف التقليدي المتمثل في “السوق العربية المشتركة” بصيغتها الكلاسيكية قابلاً للتطبيق الفوري. المطلوب الآن هو التكامل القطاعي والجزئي (Focus القطاعات الحيوية مثل الطاقة المتجددة، والنقل اللوجستي، والزراعة الذكية) وتفعيل دور الاتحادات العربية النوعية، حيث يضم المجلس تحت لوائه عشرات الاتحادات النوعية (في مجالات الصناعة، والتعدين، والنقل، والسياحة). هذه الاتحادات يجب أن تتحول إلى قاطرات حقيقية للقطاع الخاص، بدلاً من كونها كيانات استشارية، وضرورة تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية المرنة، على المجلس أن يلعب دور الوسيط لجلب الاستثمارات من الصناديق السيادية العربية (حتى من الدول غير الأعضاء في المجلس حالياً) وتوجيهها نحو المشاريع القومية في الدول العشر.
لا يمكن الحديث عن استشراف مستقبل مجلس الوحدة الاقتصادية دون التوقف مطولاً عند السودان. هذا البلد الذي يمثل استراتيجياً “جسر التواصل” بين العروبة وأفريقيا، يعيش واحدة من أعقد أزماته التاريخية نتيجة تمرد المليشيات والنزاعات المدمرة التي طالت بنيته التحتية، وهجّرت عقوله وسكانه، وعطلت ما يُعرف تاريخياً بـ “سلة غذاء العالم العربي”.
إن التنمية في السودان ليست ترفاً سياسياً، بل هي ضرورة أمن قومي واقتصادي لمنظومة المجلس بأكملها. يمتلك السودان مقومات هائلة تتمثل في ملايين الفدادين من الأراضي الصالحة للزراعة، ووفرة المياه العذبة ومصادر الطاقة الكامنة، بجانب الثروة الحيوانية الهائلة ومعادن غير مستغلة. ومع ذلك، فإن غياب الاستقرار السياسي والأمني يقف حائلاً دون استثمار هذه الثروات. وهنا يبرز الدور المحوري لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية.
إن دور المجلس تجاه السودان في مرحلة ما بعد النزاع —والتي يجب تفعيل أطر التأسيس لها من الآن— ينبغي أن يتجاوز تقديم المساعدات الإنسانية التقليدية إلى صياغة “مشروع مارشال عربي مصغر” لإعادة الإعمار، وذلك عبر محاور منها، ضرورة تأسيس “الهيئة العربية لإعادة إعمار السودان”
يجب أن يقود المجلس مبادرة دبلوماسية واقتصادية لتأسيس هيئة مستقلة، برأسمال مشترك من الصناديق التنموية العربية والشركاء الدوليين، تتركز مهمتها الأساسية على إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية (الموانئ، السكك الحديدية، وشبكات الكهرباء والمياه) التي تضررت خلال الحرب.
تفعيل المقومات الزراعية عبر “الشركات القابضة المشتركة”، حيث يمتلك المجلس تجارب سابقة في تأسيس شركات عربية مشتركة. يتعين عليه الآن إعادة إحياء هذا النموذج من خلال تأسيس الشركة العربية للأمن الغذائي المستدام، ويكون مقر عملياتها في المناطق الآمنة بالسودان، لربط رأس المال العربي بالتكنولوجيا الزراعية الحديثة والأراضي السودانية الخصبة.
الملاذ الآمن للاستثمار وتشجيع القطاع الخاص، حيث يمكن للمجلس، عبر اتفاقياته القانونية، توفير مظلة حماية تشريعية وضمانات استثمارية للمستثمرين العرب الراغبين في الدخول إلى السوق السوداني. هذه الضمانات تساهم في تقليل “مؤشر المخاطر” الذي يخشاه رأس المال الخاص عادةً في مناطق النزاعات.
تأهيل الموارد البشرية وبناء القدرات، فإن إعادة الإعمار لا تقوم على الحجر بل على البشر. يستطيع المجلس، من خلال معاهده ومراكزه التدريبية المنتشرة في دول المقر (خاصة في مصر والأردن)، إطلاق مزيد من البرامج المكثفة لتأهيل الكوادر السودانية الشابة في مجالات الإدارة الاقتصادية، والتحول الرقمي، وإدارة الأزمات، لإعداد جيل قادر على قيادة مؤسسات الدولة في مرحلة التعافي.
إن النظر إلى المستقبل بعيون واقعية يفرض علينا الاعتراف بأن منظومة العمل العربي المشترك تواجه تحدي “الوجود أو الفناء”. ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية، بمقره الراسخ في القاهرة، يمتلك شرعية تاريخية وقانونية تجعله مؤهلاً ليكون النواة الصلبة لـ “البرغّماتية العربية الجديدة”.
المستقبل لن يكون للخطابات الرنانة، بل للتحالفات الاقتصادية القائمة على تبادل المنافع ودرء المخاطر المشتركة. إذا نجح المجلس في تحويل الذكرى الحالية لتأسيسه إلى “منصة انطلاق” لإنقاذ وإعادة إعمار السودان، فإنه لن يساهم فقط في استقرار دولة عضو محورية، بل سيقدم دليلاً عملياً حياً على أن “الوحدة الاقتصادية العربية” ليست إرثاً من الماضي، بل هي طوق النجاة الوحيد للمستقبل.