مقالات

(صلاح للعامة كنت متاح)..

واو الجماعة

عوض أحمدان

قبل رحيله بنحو خمسة أيام، أصبحت معزولاً تماماً عن كل دوائر التواصل الاسفيرية، فقد سطأ أحد لصوص الميديا، علي حسابي، وقام (بتهكيره)، وطفق بكل وقاحة، يستجدي بأسمي، كل الأصدقاء والمعارف، بلغة غاية في الركاكة، واسلوب لا يشبه إلا تصرفة، كمجرم محترف، إعتاد أكل أموال الناس بالباطل، بعد استرداد الحساب الذي اعادنا الي عوالم الإتصال، كانت الرسالة الأولي التي وقع بصري عليها، رحيل الخلوق البروفيسور صلاح الدين الفاضل ارسد، اعقبها إتصال حزين، من الأخ عبد العزيز ابراهيم الطاهر، أيقنت عندها، تداعي ركن الإعلام والمعرفة الركين، قد بارح دنيانا، ووضع بالأمس، اقدامه علي أعتاب بيت الآخرة الجديد، فسبحان الله، خالق الموت والحياة، وإليه ترجع الأمور…. في طريقي، الي( بيت السودان) بالقاهرة، حيث يقام العزاء في فقيد البلاد، تراءات أمامي مجموعة من الصور، والمجالات التي زيّنها الراحل بحضوره البهي، وكان فيها من المتميزين، فلم ادري من أين ابدأ، والي أين انتهي، فالرجل له دوره المشهود، في، الإعلام والاذاعة والتعليم والمجتمع، لأن(الحياة مهنته)…. في أحد أيام العام ١٩٦٨م، وضع صلاح الدين الفاضل، اقدامه داخل الإذاعة السودانية، كموظف جديد، مع (ثلة) من الزملاء الجدد، عمر الجزلي، سيد عبد الكريم، سعيد حسين جعفر، محمد نور عوض، يوسف الماحي، علي عبد القادر مرجان، يوسف حسن عمر وغيرهم، فقد وجد ضالته المنشودة هناك، فهو فنان ومبدع، والاذاعة، مهوي الإبداع ومكانه، نظر إليه المرحوم محمد خوجلي صالحين، وقد قرأ ملامح التفرد في قسمات وجهه الوضيء، فقال له(يا إبني شكلك إنت زول فنان، عليك بدراسة الإخراج)،صادف ذلك هويً وارتياحاً في نفسه،خاصةً ان صلاحاً، كان من مدمني الإستماع الي إذاعة (b،b،c)، عندما تزّيل برامجها بعبارة (إخراج الطيب صالح)…. درس صلاح الدين الفاضل، الإخراج وغيره من فنون العمل الاذاعي، وتقلد العديد من المناصب ، في الإخراج والمنوعات والدراما وغيرها، ساهم بجهده وفكره، في تأسيس(اذاعة البرنامج الثاني)، التي اهتمت بالثقافة وشئونها، تكاملت جهوده مع زملائه، د عفاف الصادق حمد النيل، أحمد طه أمفريب،خطاب حسن أحمد، وغيرهم حتي أصبح (البرنامج الثاني) ملاذاً، وواحةً لأهل الفكر والثقافة….عندما كان مديراً عاماً للهيئة القومية للإذاعة، تم إختياري مديراً لاذاعة نيالا،بايعاز منه، حسب إفادة مدير الاذاعات الولائية الراحل، المهندس صلاح طه، إنصب حرصه كله، لتطوير تجربة الاذاعات الولائية، بعقد المؤتمرات السنوية، وتبادل البرامج الإذاعية والخبرات،بين الولايات، فقد كان داعماً حقيقياً،بالرؤية والمال، لدفعها الي الأمام…… عندما تسنم ذروة سنام الأمر، مديراً عاماً للإذاعة السودانية، اتسمت فترته، بنجاحات عديدة في كثير من المجالات، كان شديد الإهتمام بالعلم وحث العاملين علي الدراسة، بادر لأول مرة، بإنشاء معهداً للتدريب الاذاعي، داخل مباني الاذاعة، تخرج فيه عدد مقدر من العاملين بالإذاعة والولايات، فتح افاقاً جديدة مع كليات الإعلام بالجامعات والمعاهد المتخصصة، واستطاع بعلاقاته إنتزاع فرص الدراسة والتأهيل،في الداخل والخارج، التي استفاد منها أغلب العاملين في الإذاعة، ثم كانت خطوته التي لم يسبقه عليها أحد، عندما أوي اليه، مجموعة من رموز العمل الاذاعي، الذين تقاعدوا بعد المعاش، أمثال المرحوم بخيت أحمد عيساوي، علي الحسن مالك، الهادي الطاهر، حمزة مصطفي الشفيع وغيرهم، خصص لهم مكتباً كبيراً، وجُعلاً مالياً، كانت مهمتهم الأساسية تدريب الاذاعيين الجُدد، عن طريق(الونسة) و(الحكِي) و(نقل الخِبرات)…..لم يعش صلاح الدين الفاضل يوماً لنفسه، بل كان متاحاً الي غيره، مهتماً بشؤون العاملين، يساهم في دفع الإيجارات، ويدعم مشاريع الزواج، و(يجيب)(خروف السماية)، يعالج المرضي من العاملين(بتنويمهم) في مستشفي النيل الأزرق، ورعايتهم صحياً، عن طريق لجنة تحملهم علي عجل لمكان العلاج، تحت إشراف، فضل عوض جلال الدين، وإبراهيم(الحلبي) عليهما الرحمة، فقد كلفهما صلاح الدين الفاضل، بذاك العمل النبيل ، فقد كانت (إنسانيتة) المفرطة، سبباً في سرعة مغادرته كرسي الإدارة بالاذاعة، إرتبط اسمه في مجالات العمل الاذاعي المختلفة، بقائمة من المبدعين، هاشم صديق، حمدنا الله عبد القادر، صلاح حسن أحمد، حسن عبد المجيد، عثمان محمد صالح، محمد خيري أحمد، تحية زروق، عوض صديق، ليلي المغربي، فوزية يوسف، تاج السر عطية، الهادي الصديق، عبد الكريم الكابلي، وردي، ابوعركي البخيت، وغيرهم من فرسان الدراما واللغة والأدب، فالراحلة الموهوبة، فوزية يوسف، كانت ترهن مشاركتها في برامج الإذاعة، بضرورة أن يكون الإخراج، لصلاح الدين الفاضل…..كان صلاح الدين الفاضل، شديد الارتباط أمدرمان، يدخل اذاعتها باكراً، ويخرج منها عندما يرخي الليل سدوله، متوجهاً الي حيث، فالرجل رغم شهرته واسمه ودوره، لا يملك مالاً ولا عقاراً، عاش أغلب سنواته، في منزل الأسرة، في ودنوباوي، والعرضة، قبل الحرب بشهور، شرعنا في زيارة بعض الرموز ،ضمن برامج(زيارات) والي ولاية الخرطوم، الأستاذ، أحمد عثمان حمزه، التي اعدتها وزارة الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، وقد كنت وقتها مديراً للوزارة، بدأنا، بالاعلامي ، إسحق عثمان، ثم المرحوم الاذاعي أحمد عبد المجيد، ومن هناك، الي الدكتور صلاح الدين الفاضل، الذي كان يقيم في أحد أحياء الخرطوم البعيدة، في (شقة مستأجرة) بالدور (السابع)، ما كان لنا أن نبلغها، او نهتدي إليها، لولا الاستعانة بالصديق الراحل، عبود سيف الدين(رحمه الله)….. كان صلاح الدين الفاضل، (هلاليا)، يعشق الأزرق الوهّاج، لكنه شديد الإعتدال، في نقاشه وتشجيعه ومقارعة غيره، بالمنطق والإحترام، اجبرته الحرب المفروضة، أن يخرج مثل غيره، بحثاً عن الأمان، كان يمني نفسه بالعودة الي أمدرمان، الإذاعة والعرضة والهلال، وأهله وأصهاره آل العمرابي، فقد ارادت المشيئة غير ذلك، بعد أن قال الله كلمته، وقضي أجله واسترد إليه وديعته، رحل صلاح الدين الفاضل، لكنه سيظل فينا، رمزاً شامخاً لن يموت، يرحمك الله ياصلاح فقد كنت للعامة متاح….

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى