
عرمان الشؤم.. صدق وهو كذوب (3/4)
بقلم :عمر باسان
عرمان الشؤم في مقال له في ١٨ يناير الجاري وضع الشعب السوداني أم خيارين: إما الرضوخ للإسلاميين أو ننسى أمر الله والسودان.. صدق وهو كذوب..
دعونا في هذا المقال نشرح مغازي عرمان، القيادي في المجلس المركزي للحرية والتغيير (قحت)، و(تقدم) في ثوبها الجديد، والذي عمل مستشارا للراحل جون قرنق، ومستشارا للهالك حميدتي، (حيث لم نسمع أنه تقدم باستقالة من منصبه، قبل أو بعد اندلاع الحرب في السودان)، وكيف يستهدف البلاد وهويتها وتوجهاتها.
ظلت الفكرة المسيطرة على عرمان الشؤم طوال تاريخه السياسي، خاصة إبان فترة عمله مع الحركة الشعبية هي رفض “السودان القديم”، بتاريخه ورجاله، بتقاليده وحضارته الضاربة في الجذور.. رفض سودان الأزهري والمحجوب، الميرغني والمهدي، نقد والترابي، وكابلي ووردي، وبخت الرضا والكلية الحربية، وجامعة الخرطوم والمعهد العلمي، ومؤتمر الخريجين والأحزاب الوطنية، وجبل مرة ونهر القاش، وغابات الاستوائية وصحراء الشمال.
رفضت نفس عرمان كل ما هو جميل في ربوع بلادنا وتاريخها التليد. ونجده لا يتوقف إلا عند المحطات التي فيها أخطاء أو تقصير من قبل حكوماتنا الوطنية المتعاقبة، يعمل على تضخيمها، وتشويه صورة البلاد وتاريخها، ورجالها. ولكن هل تخلو أمة في تاريخها من انكسارات أو أخطاء؟! ولكن الأمم القوية هي التي تتعلم من أخطائها، وتبني عليها ولا تنكرها، أو تقفز عليها، أو تتجاهلها، ولا تعتبرها حجر عثرة أمام تقدمها، أو تجعلها شماعة جاهزة لتعليق فشلها عليها.
ولكن مع سقوط مشروع الحركة الشعبية في حكم السودان، ووفاة جون قرنق، وانفصال الجنوب، سقطت فكرة “السودان الجديد”، وتشتت تلامذته بين الأمصار، وصار عرمان يتيم الفكرة والمأوي، وغادر الجنوب ذليلا مخذولا متحسرا..
ولكن أبى شيطان عرمان وذهنيته المريضة، ونفسه الحقودة إلا بأن يمضي في ضلاله القديم بالقضاء على “السودان القديم”، الدولة والشعب والتاريخ، واستبدال سيد بسيد آخر جديد. ومن جون قرنق المثقف، انتقل إلى الجاهل حميدتي، الذين يتفوق كل منهما على صاحبه في ضحالة الفكر وبيع الذمم وغياب الوطنية والصعود على أكتاف الرجال.
ولكن ظلت فكرة “السودان الجديد” حاضرة عنده، غير أنه كانت تقف أمامها دولة بأكملها، بشعبها ومؤسساتها، برجالها وأحزابها الوطنية، بتاريخها وتقاليدها، لم تغير ولم تبدل، ولم تجد عندها رواجا، بل تمسكت بسودانها الذي تعرفه. ولكن في ظل حالة الضعف التي انتابت البلاد، وهي بين يدي انتقال يراد له أن يكون ديمقراطيا، تديره “قحت” العمالة، تمثل الهدف الجديد في إقصاء كل القوى الوطنية والإسلامية التي ستقف أمام مخططهم بالمرصاد. وبالفعل تم عزلها جميعا من “الإطاري” بتخطيط مسبق، حيث صممت مرحلة ما بعد الإطاري لمجموعات سياسية بعينها، ما تزال سادرة في غيها، تعمل ضد كل ما هو وطني وجميل وتألفه النفس.
وهل لأحد أن يصدق – في ظل تلك الأجواء الملبدة بالغيوم – أن بعضهم من قاصري الهمة والخيال ظنوا أنهم سيحكمون البلاد، باسم ثورة يزعمون أن الجميع خرج فيها، ولكنهم يريدون أن يستأثروا بها عنهم، فلا وجود للاتحادي الأصل بتاريخه العريض وجماهيريته الممتدة، ولا أحزاب الأمة بتياراتها المتعددة، إلا مجموعة من بيت الصادق المهدي وأصهارهم وأنسابهم، لم يعرف لهم كسب ولا وزن معلوم، اختطفت الحزب بعيدا عن قواعده وتاريخه، وكذلك لا وجود للتيار الوطني والإسلامي بكل ألوان طيفه، بل حتى الحركات المسلحة التي وقعت معهم اتفاقية جوبا للسلام عزلوها بحجة عدم “إغراق” العملية السياسية. أي قصور في الفهم والإدراك هذا، وأي ديمقراطية هذه التي بدلا عن توسيع دائرة المشاركة السياسية، تحتكر العملية السياسية – كما أسموها – مجموعة من غمار الناس، من أحزاب بلا قيمة ولا تاريخ، وأي دكتاتورية كانت البلاد مقبلة عليها باسم الثورة المزعومة؟!!
العبث بالعقل السياسي للبلاد وأهلها، الذي سار فيه عرمان الشؤم وأعوانه في “قحت” أو “تقدم” كان يهدف لإحداث “قطيعة” مع نظام الإنقاذ والمؤتمر الوطني ظاهريا، بحسب حملات الشيطنة المستعرة التي دأبت عليها غرفهم الإعلامية، وخطابهم السياسي الذي لا زال يكرر ذات السردية، ولكن الحقيقة الهدف هو “تفكيك” دولة “السودان القديم” بصورة غير معلنة، وأساسها تفكيك الجيش السوداني وإحلاله بمليشيا الدعم السريع كما صرح قادتهم. إنه ذات الضلال القديم، الذي ما تزال أحلامه تداعب روح عرمان المريضة، ومن ورائه دوائر الاستكبار العالمي التي وجدت فيه وأمثاله ضالتهم.
وبعد كثير من الطرق السياسي والاعلامي الذي يهدف إلى خلخلة العقل السياسي والمجتمعي، وتجزئته وإرهاقه من قبل دوائر استخبارية وإعلامية متخصصة، فلا يكاد يميز بين الصواب والخطأ، وبين مصلحة البلاد وبين اختراق منظومة أمنها، جرى تسويق “الاتفاق الإطاري” على أنه المنقذ للبلاد. ولكن كان الهدف غير المعلن للإطاري هو القضاء على آخر قوة متماسكة داخل المجتمع ممثلة في الجيش القومي، برمزيتها القومية، التي تضم بداخلها كل قبائل السودان وإثنياته، والحجة الحاضرة موالاته إلى الكيزان!!!
والغريب أن عقلهم الباطن أبى إلا أن يعلن حقيقة مبتغاهم، فتحدث قادتهم مهددين الرأي العام والجيش، بأنه إما “الإطاري” أو “الحرب”!! ما الذي جاء بسيرة الحرب، واستخدام القوة للوصول لهدف سياسي؟ الطبيعي في حال فشل مشروع سياسي تقديم مشروع آخر مكانه يجد القبول من الجميع، فالديمقراطية لا تعالج أوجه قصورها إلا بمزيد من الديمقراطية، يا دعاة الديمقراطية.
وعليه، تواصلت عمليات التشكيك في الدولة وقدراتها ورجالها، وكثر الحديث عن ضعف المنظومة الأمنية والعسكرية، وفسادها واستئثارها بكل موارد الدولة. وفي المقابل تم تضخيم قوات الهالك حميدتي، وتلميعه، وبيان ما صار يتمتع به من علاقات خارجية، وقدرات اقتصادية ووجود في المشهد السياسي والتنفيذي للدولة، وغيرها، وتقف من ورائهم آلة إعلامية واستخبارية ضخمة تعمل بلا كلل ولا ملل ضد البلاد وأهلها.
وتهيأت البلاد للحرب والفوضى الخلاقة، بوعي البلاد وأهلها، أو باستبعاد غالبهم احتمال دخول البلاد، حرب لا تبقي ولا تذر، حرب صارت هي معركة الوجود والبقاء للسودان وأهله.
ومن الجانب الآخر نجد عرمان الشؤم وأمثاله من شذاذ الآفاق، مثل امبراطور روما، نيرون الطاغية، الذي ظل يعزف على قيثارته، والنيران تلتهم عاصمته، لكي يبني له قصرا منيفا على أطلالها. ألم يطالب متحدثهم “العاهة” الرئيس البرهان التعجيل بتسليم السلطة إليهم أو… ؟ ألم يهددنا متحدثهم “الراديكالي” من قبل إما العلمانية أو “فرتقة السودان طوبة.. طوبة”. أليس هذا هو حقيقة ما يجري من تآمر الآن ضد البلاد وأهلها، تباينت المداخل وتعددت المنصات، وإن اتفقت جميعا على هدف واحد هو تمزيق السودان، وتدميره، وتشريد أهله؟!!
ولكن السودان، الدولة التي طالما انكسرت أمامها كل تآمرات الخارج، وأعيت حيلهم، فأطلقوا عليها” دولة اللامعقول”، ظلت صامدة مجددا. وأسقط في يدهم، إذ كيف يتسنى لدولة فقيرة الاقتصاد، شاسعة المساحة، منقسمة سياسيا واجتماعيا، حديثة التكوين، محدودة النهضة العلمية، أن تقف في وجه دول الاستكبار العالمي وتجهض مؤامراتها. وما درى هؤلاء أن إنسانها هو سر نجاحها، بإيمانه بربه، وثقته في نفسه، وعزته وكبريائه التي لا يساوم عليها.
وليسمح لي القراء بالاسترسال بعض الشىء في مقال قادم أخير لبيان أسباب الحرب من قبل “قحت” أو “تقدم” وقياداتها، ومن يقف وراءها من دوائر الاستكبار، ولماذا يتم استهداف السودان وأهله، بهذه الصورة المستمرة، رغم تغير حكوماته الوطنية، وتباين توجهاتها السياسية والأيديولوجية..
٢١ يناير ٢٠٢٥م