
عندما تتطابق القراءة مع موقف الدولة سعد محمد عبدالله
عندما تتطابق القراءة مع موقف الدولة
سعد محمد عبدالله
تناول مقالنا السابق بعنوان “السودان بين المفاوضات السياسية والمغالطات الإعلامية” طبيعة التحولات السياسية التي تشهدها البلاد، وما صاحبها من نقاشات حول تسريبات غير مؤكدة بشأن موقف الحكومة من المفاوضات بمختلف مراحلها، والرد على محتوى الورقة المقدمة من قِبل الوسطاء، وقد أسهمت تلك التسريبات في خلق حالة من الضبابية والغموض، وأشعلت إنقسامًا حادًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية، حتى بلغ الأمر حد التشكيك في مؤسسات الدولة وإظهارها بمظهر الضعف والتردد، ولكن، ومن واقع متابعتنا للمشهد السياسي، أكدنا أن التفاوض عملية معقدة لا يمكن إدارة تفاصيلها عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الإجتماعي، وأن الإفصاح عن بعض المعلومات في غير توقيتها قد يضر بمسار العملية التفاوضية ويقوض فرص نجاحها، ولم يكن ذلك الرأي دعوة إلى إحتكار المعلومات أو مصادرة حق الرأي والرأي الآخر، وإنما إنطلاقًا من قناعة راسخة بأن بعض الملفات السيادية تستوجب قدرًا من السرية التي تمليها المصلحة الوطنية العليا، مع ضرورة الحفاظ، في الوقت نفسه، على حقوق المواطنين والإعلاميين في الإطلاع على الحقائق في الوقت المناسب دون تأخير.
لقد جاء إجتماع مجلس الأمن والدفاع، برئاسة الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الإنتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، ليؤكد كثيرًا من المعاني التي أشرنا إليها آنفًا؛ ففي مستهل أعماله، هنأ المجلس القوات المسلحة، والقوات النظامية، والقوات المساندة، والمقاومة الشعبية، على ما تحقق من إنتصارات في مختلف جبهات القتال، قبل أن ينتقل إلى مناقشة ملف العملية السلمية، باعتباره الجهة الدستورية المختصة بقضايا الحرب والسلام والمفاوضات، والمنوط بها رسم خطة التعامل مع التحولات الإقليمية والدولية المتعلقة بالقضية السودانية، والإجابة عن الأسئلة التي تطرحها وسائل الإعلام ويترقبها المواطن السوداني، باعتبارها تمثل مفتاحًا لمستقبل البلاد، وقد تداول المجلس بعمق في الورقة المقدمة من دول الوساطة، معربًا عن شكره وتقديره للجهود التي تبذلها تلك الدول بغية المساعدة على إيجاد حلول للأزمة السودانية المستمرة، ومؤكدًا، في الوقت ذاته، ثبات موقف السودان تجاه العملية السلمية، والتعاطي مع الأوضاع بما يحفظ المصالح الوطنية ويصون وحدة الدولة وسيادتها.
أفصح المجلس عن دراسته للأوضاع السياسية بصورة شاملة، وصياغته ردًا موحدًا ومتوافقًا عليه بشأن ما ورد في ورقة الوسطاء، كما نفى بصورة قاطعة صحة التسريبات التي جرى تداولها مؤخرًا عبر منصات التواصل الإجتماعي حول معادلات المفاوضات ومواقف الحكومة حيالها، مؤكدًا أنها لا تعكس حقيقة ما دار داخل مؤسسات الدولة، ولا يمكن، في إعتقادي، إعتبارها وجهًا من أوجه الرأي، لأنها تندرج ضمن دائرة الشائعات المضرة، التي ما كان ينبغي تداولها أو تأويل الأحاديث حولها، لا سيما في ظل تعقيدات الساحة السياسية الراهنة، ودعا المجلس مختلف الجهات إلى التحلي بالمسؤولية الوطنية، والإمتناع عن تداول المعلومات التي تمس الأمن القومي أو تؤثر سلبًا في أي عملية سلمية مستقبلية، لما قد يترتب على ذلك من أضرار جسيمة، وفي الوقت نفسه، جدد تأكيده على إنفتاح حكومة السودان وترحيبها بكل المبادرات الموضوعية والجادة التي تستجيب لتطلعات الشعب السوداني الجسور، وتحافظ على وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها، وهو موقف يعكس تمسك الدولة بخيار السلام دون التفريط في ثوابتها الوطنية أو المساس بمؤسساتها الدستورية.
إن مجريات الأحداث السياسية اليوم تؤكد بجلاء أن السودان يقف أمام مرحلة دقيقة ومفصلية من تاريخه الحديث، تتطلب قدرًا عاليًا من الحكمة، والإنضباط الإعلامي، والوقوف بمسؤولية خلف خطاب الدولة، والإعتماد على منهج النقد الفكري التنويري وتغليب المصلحة الوطنية على الإستقطاب السياسي والتراشق الإعلامي الذي لا فائدة منه، والرهان دومًا على وحدة القيادة ووعيها، لا التشكيك فيها أو إضعافها؛ إذ لم تُبدِ يومًا تقاعسًا عن أداء المهام الموكلة إليها، بل ظلت تتحمل مسؤولياتها تجاه الوطن بكل جدية وتفانٍ، وما زلنا نتأمل الواقع السياسي، ونقرأ فنجان المستقبل، ونتابع عن كثب تطورات وأبعاد المتغيرات في المشهدين السوداني والإقليمي، ونعتقد أن الأيام المقبلة قد تحمل في طياتها الكثير من الإجابات التي نبحث عنها جميعًا، من خلال إختراقات سياسية مهمة من شأنها إعادة رسم ملامح المرحلة القادمة كليًا، وإذا أحسن السودانيون توحيد صفوفهم، وإدارة شؤونهم بصبر وبصيرة في هذه اللحظة التاريخية، وإستثمروا فرص الحوار والسلام بعقلانية ومسؤولية، فإن البلاد ستكون أمام فرصة حقيقية للإنتقال من واقع الحرب والإنقسام إلى أفق الدولة المستقرة، القائمة على دعائم السلام المستدام، والتنمية العادلة، وإستعادة مكانتها الطبيعية بين الأمم في عالم سريع التحول.