
فرضت عليهم ظروف الحرب مغادرة البلاد،، صحفيون سودانيون في مصر … جبهة إعلامية متقدمة.. أكثر من “300” صحفياً سودانياً ..قادوا خط الوطن.. منصات فاعلة..ظهور إعلامي مكثّف لدعم القوات المسلحة.. دعوات للسفارة السودانية بالاستفادة من الوجود الكبير..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..
منذ اندلاع الحرب في السودان منتصف أبريل 2023م، فرضت الظروف القاسية واقعاً جديداً على آلاف السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم بحثاً عن ملاذ آمن، وكان الصحفيون ضمن الفئات التي طالتها فوهات الحرب وتداعياتها القاسية، حيث توجه عدد كبير منهم إلى جمهورية مصر العربية التي ظلت عبر التاريخ الأقرب وجدانياً وجغرافياً للسودانيين، غير أن وجود الكثيرين في مصر تحوَّل من حالة اللجوء المهني والإنساني، إلى منصة إعلامية مؤثرة لعبت دوراً ملحوظاً في دعم معركة الكرامة، وإسناد الرؤية الوطنية السودانية في مواجهة الحرب الإعلامية المصاحبة للقتال في مختلف المحاور والجبهات داخل السودان.
حضور صحفي كبير:
وتشير تقديرات الاتحاد العام للصحفيين السودانيين إلى أن عدد الصحفيين السودانيين الموجودين حالياً في مصر يتجاوز “300” صحفي وإعلامي ينتمون إلى مختلف مؤسسات الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، وهو رقم يعكس حجم التحول الذي فرضته الحرب على المشهد الإعلامي السوداني، حيث استوعبت مصر هذه الكتلة المهنية الكبيرة بحكم العلاقات التاريخية والروابط المتينة بين الوسط الصحفي في البلدين، ويتمركز في (أمِّ الدنيا) حالياً عددٌ من قيادات الصحافة من رؤساء التحرير وكتّاب الأعمدة والمحررين النابهين، هذا فضلاً عن وجود نجوم لامعة في سماء الإذاعة والتلفزيون والناشطين في منصات التواصل الاجتماعي، وقد وجد الكثير منهم في مصر بيئة مهنية واجتماعية أقرب إلى طبيعة عملهم، مستندين إلى تقاليد عريقة من التعاون والتواصل بين المؤسسات الصحفية في الخرطوم والقاهرة.
خط دفاع إعلامي:
ولعب صحفيون سودانيون موجودون في مصر دوراً محورياً في نقل وتفسير مجريات الأحداث، إذ تحوَّلوا إلى خط دفاع إعلامي أول في مواجهة الحملات الدعائية والمعلومات المضللة التي صاحبت الحرب، وتوزعت جهود الصحفيين السودانيين في مصر على عدة مسارات، فقد برز عدد منهم كضيوف دائمين في القنوات الفضائية العربية والعالمية، حيث قدموا تحليلات سياسية وإعلامية تناولت تطورات الحرب وأبعادها الإقليمية والدولية، كما نشط آخرون في الكتابة الصحفية عبر المواقع الإلكترونية، مسلطين الضوء على انتهاكات وجرائم ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع بحق المدنيين واستهداف البنية التحتية في السودان، وفي موازاة ذلك، شهدت منصات التواصل الاجتماعي نشاطاً مكثفاً لصحفيين سودانيين عبر (فيسبوك) و(إكس) و(إنستغرام)، حيث امتلأت هذه المنصات بالمقالات المختصرة والتدوينات والتغريدات والمواد التوثيقية التي سعت إلى دعم الرواية الوطنية السودانية، وفضح أدوار بعض المحاور الإقليمية والدولية التي ساهمت في تأجيج الصراع وإطالة أمده.
منصات إعلامية:
ولم يكتفِ الصحفيون السودانيون بالنشاط الفردي، بل اتجه بعضهم إلى تفعيل منصات إعلامية وصحف إلكترونية خلال فترة الحرب، في خطوة مثلت تعبيراً عن حس وطني ومسؤولية مهنية في مرحلة حرجة من تاريخ السودان، وقد شهدت هذه الفترة ظهور عدد من الصحف الإلكترونية التي استطاعت أن تحجز لنفسها موقعاً في خارطة الصحافة الرقمية، حيث تمكنت هذه المنصات، رغم ظروف النشأة الصعبة، من تقديم محتوى إخباري وتحليلي منتظم، مستفيدة من خبرات صحفية متراكمة لعدد من الصحفيين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم بعيدين عن مؤسساتهم الأصلية بسبب الحرب، ويرى متابعون أن هذه المبادرات تمثل نموذجاً لصحافة الأزمات، حيث يتحوّل الصحفي من مجرد ناقل للخبر إلى فاعل في بناء منصات إعلامية تسعى للحفاظ على استمرارية الصوت الوطني في الفضاء الإعلامي.
دور للسفارة السودانية:
وعلى الرغم من هذا الحضور الإعلامي الكبير، يرى عدد من الصحفيين أن العلاقة المؤسسية بينهم وبين سفارة السودان في مصر لا تزال دون مستوى الإمكانات المتاحة، مؤكدين أن السفارة يمكن أن تستفيد بصورة أكبر من هذا التجمع المهني الكبير عبر تنظيم مبادرات للتواصل والتنسيق بين الصحفيين أنفسهم، فضلاً عن توظيف خبراتهم الكبيرة في دعم الحضور الإعلامي السوداني في مصر، ويشير هؤلاء إلى أن السنوات الثلاث الماضية كان يمكن أن تشهد بناء علاقة أكثر عمقاً على المستوى المهني والإنساني بين السفارة والوجود الصحفي أو حتى الجسم السوداني في مصر، خاصة أن معظم هؤلاء الصحفيين اضطروا إلى مغادرة السودان بسبب الحرب، وأرجع البعض ضعف العلاقة بين السفارة والصحفيين إلى عدم وجود ملحقية إعلامية داخل السفارة السودانية.
فرصة ذهبية:
ويؤكد الأمين العام للاتحاد العام للصحفيين السودانيين الأستاذ صلاح عمر الشيخ أن وجود هذا العدد الذي يتجاوز “300” صحفياً سودانياً في مصر يمثل فرصة ذهبية يمكن أن تستفيد منها سفارة السودان في مصر وتوظفها لصالح لتعزيز العلاقات بين الخرطوم والقاهرة، وقال الشيخ في إفادته “للكرامة” إنه كان بالإمكان الاستفادة من هؤلاء الصحفيين في برامج التنوير الإعلامي، وعرض الحقائق، وتوثيق الانتهاكات، وتشكيل الرأي العام، هذا فضلاً عن تنظيم الورش والمنتديات، ونوه ا الأمين العام للاتحاد العام للصحفيين السودانيين إلى أن الصحفيين يمثلون جسراً مهماً لنقل الرسائل الإعلامية وتعميق العلاقة بين السودان ومصر، مبيناً أن النخبة المهنية الموجودة في مصر تضم أسماء مؤثرة وأقلاماً معروفة في الساحة الإعلامية، ويمكن أن تسهم بدور كبير في تمتين العلاقات الصحفية بين البلدين، فضلاً عن نقل المعلومات والتعريف بالنخب السودانية والمهنية إلى المؤسسات الإعلامية المصرية، منوهاً إلى أن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة، يكمن في تحويل هذا الوجود الصحفي الكبير في مصر إلى قوة إعلامية منظمة يمكن أن تسهم في دعم السودان إعلامياً وسياسياً، وتعزيز العلاقات التاريخية بين الخرطوم والقاهرة، في وقت تزداد فيه الحاجة إلى صوت إعلامي مهني ووطني قادر على مخاطبة الداخل والخارج على حد سواء.
خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإن وجود الصحفيين السودانيين في مصر، قد تحوَّل من نتيجة جانبية للحرب، إلى ظاهرة إعلامية مؤثرة في مسار التغطية الصحفية للقتال الدائر في السودان لنحو ثلاث سنوات، إذ أسهم هؤلاء الصحفيون، عبر حضورهم في الإعلام التقليدي والرقمي، في نقل الرواية السودانية إلى الخارج، وكشف كثير من جوانب الحرب التي قد تغيب عن الرأي العام الدولي، كما أن المبادرات التي أطلقها بعضهم لتأسيس منصات إعلامية جديدة تؤكد أن الصحافة السودانية ما تزال قادرة على التكيف مع الظروف الصعبة، وعلى مواصلة دورها في الدفاع عن قضايا الوطن حتى في لحظات الألم والجروح، والتشتت والنزوح.