
في معركة الإصلاح: عندما يصطدم الفعل النيّر بجدار المقاومة البائسة
نقطة سطر جديد
د. حيدر البدري
ليس أقسى على نفس المصلح الواعي، ولا أشدّ إيلاماً لعقل المفكّر المستنير، من أن يرى الحلّ الناجع للمشكلات العتيقة، وهو يتحطّم على صخرة الرفض المتعصّب، والمقاومة العقيمة، التي لا تستند إلى منطق سوى تبرير الجمود، والخوف على امتيازاتٍ بائدة، أو مواقفَ متصلّبة.
إنّ مشكلتنا الجوهرية، التي تكاد تكون سمةً لازمةً في مسيرة التطوير في كثير من المجالات، هي تلك الآلية الدفاعية السلبية التي تُفعّل بمجرد أن يبزغ فجر حلّ جذريّ؛ حيث تقف الأصوات المتشككة والمعيقة موقف المعارض الأرعن، لا لشيء إلا لأن الفكرة جديدة، أو لأنّ المبادرة جاءت من شخصٍ لا ينتمي إلى نادٍ مغلق، أو لأنّها ببساطة تهدّد أركان منطقة راحة مريحة للبعض، أصبحت مع الوقت مقبرة للإبداع والإنجاز.
وخير مثالٍ على هذه المعاناة، تلك التجربة الثريّة التي قادها البروفيسور مأمون حميدة عند تعيينه وزيراً للصحة بولاية الخرطوم. لقد جاء الرجل بمشروعٍ نهضويّ واضح المعالم، يستند إلى رؤية استراتيجية تعيد هيكلة المنظومة الصحية من جذورها. فبدلاً من الاستمرار في إرهاق المستشفيات وسط المدن بالعاصمة مثلا (مستشفى الخرطوم، مستشفى بحري، مستشفى ام درمان ) حتى انفطارها، انطلق نحو تفعيل المستشفيات والمراكز الطرفية في الأحياء والمناطق، ليكون لها دورٌ فاعل في استقبال الحالات الأساسية، وتقديم الخدمات الصحية الأولية على أكمل وجه للمواطن في مكان سكنه.
وهذا هو منطق الأشياء.
ورؤية استراتيجية من عالم صاحب بصيرة ورؤى مستقبلية.
إنّ جعل هذه المراكز تعمل بكامل طاقتها ليس ترفاً إدارياً، بل هو حتميةٌ لوجستية وطبية. فهو يُخفّف الضغط الهائل عن المستشفيات الكبرى، ويسمح للكفاءات الطبية العالية فيها – من البروفيسورين والأستاذة الاستشاريين – بالتفرّغ للحالات الحرجة والمعقدة التي تستحق خبرتهم وتركيزهم، بدلاً من تبديد جهودهم ووقتهم الثمين في معالجة أمورٍ روتينية كان يمكن أن يقوم بها طبيب عام في مركز صحي مجهز كما يجب.
فمستشفى مثل (جعفر بن عوف) لأمراض الأطفال، الذي يزخر بكفاءات طبية رفيعة المستوى، من العبث أن تظلّ طاقاتها معطلة أو مشتتة في حالاتٍ بسيطة. إنّ النظام الصحي المتوازن هو الذي يحافظ على هذه الطاقات النادرة للمواقف التي لا تقدر عليها إلا هي.
ولكن ما أن بدأ هذا المشروع النيّر بالتحقق على الأرض، حتى انبرت له الأصوات المعيقة. بدلاً من أن تحفّزه وتدعمه، شُنّت عليه الحملات. بدلاً من أن تنتظر النتائج، أعلنت المعارضة المتسرّعة. لقد حاربه من يجب أن يكونوا أول أنصاره وأعظم مسانديه: بعض الدكاترة والاختصاصيين أنفسهم، ربما خوفاً على امتيازات، أو رفضاً للتغيير نفسه. ثم انضمّت إليهم آلة إعلامية جاهزة للنقد السلبي قبل التحقّق من الوقائع، ومعارضة سياسية تبحث عن أي موطئ قدم لإثبات وجودها، حتى لو كان على حساب المصلحة العامة.
هنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يكون الإصلاح مغامرةً فردية يواجهها الجميع، بدلاً من أن يكون مشروعاً جماعياً تتبناه الأمة. إنها معضلة “الفرد المصلح” في مواجهة “القطيع الرافض”. إنها إرادة التطوير تصطدم بجدار الخوف والجهل والأنانية.
وبعد هذه الحرب علينا أن نتعلم… علينا أن نفكر.. ونترك أصحاب القدرات والكفاءات والخبرات للعمل والتخطيط.
ختاماً، فإنّ تجربة البروفيسور مامون حميدة تقدم لنا درساً واضحاً: أن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى أكثر من مجرد أفكار صائبة وإمكانيات مادية؛ إنه يحتاج إلى شجاعة سياسية لتوفير غطاءٍ من السلطة يحمي المصلحين، وإلى بناء إجماع مجتمعي يدعم التغيير، وإلى تربية أجيالٍ تؤمن بأن النقد يجب أن يكون بناءً، والمعارضة يجب أن تكون موضوعية، وأن المصلحة العامة هي فوق أي اعتبار. فبدون ذلك، سيظلّ كل مصلحٍ غريباً في وطنه، وكل فكرةٍ جديدةً محكوم عليها بالموت قبل أن تولد.
نقطة سطر جديد.