
لا بديل للخرطوم إلا الخرطوم
بقلم محمد عثمان
ما بين الحنين والشوق… حكايةُ قلبٍ لم يغادر الخرطوم وإن غادرها الجسد.
الحنين أن تشتاق لرائحة ترابها بعد المطر، والشوق أن تعدّ الأيام والليالي للعودة إلى حضنها، إلى أزقتها، إلى ضحكات أهلها.
فالبعد موجع، لكنه يعلمنا قيمة الوطن، وما بين الحنين والشوق نكتشف أننا لا ننتمي لمكانٍ سواها، فهي البداية وهي النهاية، وهي الحب الذي لا يذبل.
عدتُ إلى الخرطوم أكثر من مرة، وفي كل مرة كانت ركاماً يدمي القلب، مدينة موجوعة تنتظر من يضمد جرحها وينقذها من مستنقع الدمار والخراب إلى بر الأمان والتعافي والاستقرار.
أما هذه المرة… فقد اختلف الوضع تماماً، أصبحت المعالم تتضح رغم التدمير الممنهج الذي طال بنيتها التحتية وخدماتها الأساسية على يد المليشيات المتمردة.
جُبتها في هذه الأيام القليلة جنوباً وشمالاً، شرقاً وغرباً، فرأيتها تتعافى، عاد إليها ضجيج المواقف وصيحات الباعة المتجولين، وضجيج الأسواق وازدحامها، وزحمة الوصول وتكدس العربات في بعض شوارعها الرئيسية، تلك المظاهر التي كنا نتذمر منها يوماً، أصبحت اليوم أجمل علامات الحياة وعودة الروح.
ورأيتها تستعيد أنفاسها بجهود الرجال وعزيمة الأبطال، وهنا تردد في خاطري صوت الفنان الراحل سيد خليفة رحمه الله:
> يا الخرطوم يا العندي جمالك.. جنة رضوان
> طول عمري ما شفت مثالك.. في أي مكان
فالخرطوم ليست مجرد مدينة، هي العاصمة، هي القلب النابض للسودان، هي التاريخ والحاضر والمستقبل. وإن طال بها الوجع واشتد عليها البلاء، فإنها ستتعافى وتعود إلى سيرتها الأولى، أقوى وأجمل وأبهى، لأن في عروقها يجري نيلان، وفي صدرها ينبض شعب لا يعرف الانكسار، فلا بديل للخرطوم إلا الخرطوم.
فالحمد لله أولاً، ثم الشكر من بعد الله لجهود الدولة في إعادة الإعمار وتيسير العودة الطوعية بقيادة رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، ورئيس مجلس الوزراء بروف كامل إدريس، وذلك الرجل الهمام والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة الذي لم أتشرف بلقائه يوماً، لكنني رأيت بصماته وجهوده الصادقة ماثلة في كل شارع يُنظف، وكل سوقٍ يعود، وكل حيٍ يستعيد أمنه وحياته، فكان حاضراً بفعله قبل قوله.
وأنقلها في هذه السطور لكل من يعاوده الشوق والحنين: لا بديل للخرطوم إلا الخرطوم، فهي الريادة، والسيادة، والقيادة، ومنها يبدأ السودان وإليها يعود.
ونصيحتي لكل أهلي وأحبابي، ولكل مستثمر ورجال أعمال، ولكل الشركات الخاصة والعامة: عودوا إلى الخرطوم، فلن تُعمّر الخرطوم إلا بوجودنا نحن، إنسان الخرطوم، ولن تُبنى إلا بعودتنا لها رجالاً ونساءً، شيباً وشباباً، مستثمرين وشركاتٍ وطنية، فهي أرض الفرص الواعدة، ومن يزرع فيها اليوم سيحصد مجداً وغداً مشرقاً.
ولذلك… الخرطوم تنادينا جميعاً، تنادي كل أبنائها، فعودوا إليها، كلٌ في مجاله، وكلٌ في حقول التنمية والإعمار، لنكتب معاً فصلاً جديداً، عنوانه: الخرطوم تعود، والعود أحمد.