
ماذا يُقرأ بين سطور المقال المشترك للاتحادين الأفريقي والأوروبي؟ سعد محمد عبدالله
ماذا يُقرأ بين سطور المقال المشترك للاتحادين الأفريقي والأوروبي؟
سعد محمد عبدالله
قرأتُ المقال المشترك الممهور بتوقيع الحاجة لحبيب، المفوضة الأوروبية، والسفيرة أما أمواه، مفوضة الإتحاد الأفريقي، والذي يعكس قلقًا مشروعًا إزاء الأوضاع الإنسانية المتدهورة في مدينة الأبيض ومحيطها، ويؤكد أهمية حماية المدنيين والإلتزام بالقانون الدولي الإنساني؛ غير أن قراءة المشهد السوداني تقتضي وضع هذه المخاوف في سياقها الوطني الأشمل؛ فالسودان لا يواجه أزمة إنسانية منفصلة عن الحرب، وإنما يواجه مشروعًا إستعماريًا خطيرًا يستهدف الدولة ومؤسساتها ووحدتها الوطنية وسيادتها على أراضيها؛ ولذلك، فإن حماية المدنيين لا يمكن فصلها عن ضرورة إنهاء التمرد المسلح ورفض أي محاولات لإقامة سلطات أو كيانات موازية خارج إطار الدولة؛ ومن هذا المنطلق، فإن حكومة السودان أكدت بوضوح إستمرار تمسكها بوحدة البلاد وسيادتها وإستقلال قرارها الوطني، ورفضها التام لأي ترتيبات تُفرض بالقوة أو تمنح شرعية للأمر الواقع الذي أنتجته الحرب؛ كما أن إدانة الإنتهاكات المرتكبة ضد المدنيين، وفي مقدمتها الإنتهاكات التي إرتكبتها مليشيا الدعم السريع، ينبغي أن تكون موقفًا واضحًا لا لبس فيه، وأن تترافق مع مطالبة جميع الأطراف باحترام القانون وحماية السكان؛ فالسلام المنشود يجب أن يحفظ السودان دولةً واحدة، ويصون مؤسساتها، ويعيد الأمن والإستقرار، ويهيئ الطريق أمام عملية سياسية وطنية شاملة دون إقصاء أو وصاية خارجية.
إن الحديث عن حماية مدينة الأبيض والمدنيين فيها يكتسب أهمية خاصة، بالنظر إلى مكانتها باعتبارها مركزًا سكانيًا واقتصاديًا وإنسانيًا مهمًا للغاية؛ غير أن المسؤولية عن حماية المدنيين لا تقع على طرف واحد فحسب، بل تقع على جميع أطراف النزاع وفق قواعد القانون الدولي الإنساني. ومن هنا، لا بد من الإجابة عن سؤال جوهري: من هم حماة المدنيين، الحكومة أم المتمردون؟ وذلك وفق المعايير الدولية والواقع السوداني ورأي الشارع العام الذي جرّب الحياة في ظل الطرفين. وفي هذا السياق، فإن التحذير من الهجمات على الأسواق والمرافق الصحية ومحطات الوقود والمستودعات والأحياء السكنية يجب أن يقابله موقف صريح من أي جهة تستهدف هذه المنشآت أو تستخدم المدنيين وممتلكاتهم لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية. وقد عانى السودانيون خلال سنوات الحرب من انتهاكات واسعة شملت القتل والنزوح والنهب وتدمير الممتلكات والبنية التحتية، ولا يمكن بناء سلام حقيقي عبر تجاهل هذه الجرائم أو التعامل معها بمعايير مزدوجة. ولذلك، فإن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع الأزمة السودانية من منظور متوازن يضع حماية الإنسان في المقدمة، ويحترم في الوقت نفسه سيادة الدولة ووحدة أراضيها، ولا يمنح أي جماعة مسلحة غطاءً سياسيًا يمكّنها من فرض واقع جديد بالقوة؛ فالمساعدات الإنسانية ضرورة عاجلة، لكنها ليست بديلًا عن الحل السياسي والأمني الشامل.
لا شك أن وقف إطلاق النار يمثل خطوة مهمة نحو تخفيف معاناة السودانيين وفتح الممرات الإنسانية وإيصال الغذاء والدواء إلى المحتاجين، إلا أن أي هدنة لا يمكن أن تكون غاية في ذاتها إذا تحولت إلى وسيلة لإعادة ترتيب مواقع القوات أو تكريس الانقسام؛ فالمطلوب هو وقف مستدام للقتال يقود إلى عملية سياسية واضحة تضع نهاية للحرب وتعيد بناء الدولة على أسس وطنية. كما ينبغي أن تترافق الدعوة إلى وصول المساعدات الإنسانية مع ضمان عدم نهبها أو استغلالها في تمويل العمليات العسكرية أو دعم الجماعات المسلحة، وأن تصل الإغاثة إلى مستحقيها وفق قواعد الشفافية والحياد. أما قضية المساءلة، فهي من أهم ركائز السلام، ولا ينبغي أن تكون انتقائية أو مرتبطة بالخصومات السياسية؛ بل يجب التحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها جميع المليشيات المسلحة والمرتزقة المستجلبون من شتى بقاع العالم، وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة. فالعدالة الحقيقية لا تعني الانتقام، وإنما تعني إنصاف الضحايا ومنع تكرار الجرائم. ولذلك، فإن أي مبادرة دولية جادة تجاه السودان ينبغي أن تجمع بين وقف الحرب، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، واحترام السيادة الوطنية.
إن السودان يحتاج اليوم إلى موقف إقليمي ودولي أكثر إتزانًا يعزز الجهود الوطنية لمعالجة الأسباب السياسية والأمنية التي أطالت أمد الحرب وعمقت الأزمة الإنسانية؛ فالمجتمعان الإقليمي والدولي، والإتحادان الأفريقي والأوروبي بصورة خاصة، يمكنهما أداء دور إيجابي في دعم السلام، شريطة أن يقوم هذا الدور على إحترام إرادة السودانيين ووحدة بلادهم وسيادتها، لا على التعامل مع أطراف النزاع باعتبارها كيانات متساوية في الشرعية، أو السماح بإنشاء مؤسسات موازية للدولة؛ كما أن الشعب السوداني لا يحتاج إلى مزيد من بيانات القلق وحدها، وإنما يحتاج إلى إجراءات عملية تمنع تدفق السلاح، وتواجه الجهات الخارجية التي تؤجج الحرب، وتدعم الإغاثة، وتساعد على إعادة الإعمار، وتفتح الطريق أمام بناء السلام الشامل والمستدام؛ فوحدة السودان وحرية قراره الوطني ليستا تفصيلًا سياسيًا يمكن تجاوزه في أي مبادرة أو تسوية، وإنما هما الأساس الذي يجب أن تقوم عليه كل المبادرات؛ وعليه، فإن التعاطي المسؤول مع مأساة الأبيض وغيرها من مدن السودان المنكوبة يقتضي الجمع بين حماية المدنيين وإدانة الإنتهاكات، وبين صون الدولة وسيادتها ووحدة أراضيها؛ فالسودان يستحق سلامًا عادلًا ودائمًا، لا هدنة مؤقتة تعيد إنتاج الحرب، ويستحق مستقبلًا تصنعه إرادة شعبه الحر بعيدًا عن السلاح والوصاية والتدخلات الخارجية.