مقالات

« متلازمة القلب المكسور “٢”» 

روشتة في بريد الاسرة 

اختصاصي الصحة العامة/ اسماء قسم الله قسم السيد

أرض القلب المكسور

لماذا لا يستطيع كبار السن مغادرة منازلهم؟؟؟؟؟؟

بالنسبة لكثير من كبار السن، لا يمثل المنزل مجرد بناء من الجدران والأبواب، بل أرضهم (قطعة من التاريخ الشخصي متحف للذكريات، وملاذ آمن من تقلبات العالم الخارجي). لهذا يكون الانتقال من المنزل قرارًا صعبًا و صدمة قادرة على تدمير الصحة النفسية الجسدية وصولًا إلى ما يُعرف بـ”متلازمة القلب المكسور”.

المنزل كخريطة للذكريات

كل زاوية في منزلٍ قديم تحمل قصة. الأريكة (الراكوبة) التي شهدت لحظات عائلية دافئة، المطبخ الذي تفوح منه رائحة طعام الأبناء، النافذة التي أطل منها على فصول حياته المختلفة. هذا المنزل مكان العيش و هو خريطة زمنية للذاكرة. عندما يُطلب من كبير السن مغادرة هذا المكان، فكأنما يُطلب منه أن يمحو خريطة حياته، ويترك خلفه أجزاءً من هويته وكيانه فمتلازمة القلب المكسور: خطر طبي حقيقي

الجانب الأكثر خطورة في هذه المسألة هو تأثيرها الجسدي، (Takotsubo cardiomyopathy) هي تعبير مجازي،لكنها حالة طبية حقيقية تنتج عن الإجهاد العاطفي الشديد. تسبب هذه المتلازمة ضعفًا مفاجئًا في عضلة القلب، يمكن أن يؤدي إلى أعراض مشابهة للنوبة القلبية. يُعد فقدان شخص عزيز، أو صدمة عاطفية كبيرة، من أبرز أسبابها. ومغادرة المنزل الذي يمثل كل هذه الذكريات والأمان، يمكن أن يمثل صدمة بنفس القوة، ما يجعل كبار السن أكثر عرضة للإصابة بها.

إن فهم هذا الارتباط العميق بين كبار السن ومنازلهم ليس مجرد مسألة عاطفية، بل هو ضرورة اجتماعية وطبية. يجب أن نتعامل مع هذه القضية بحساسية فائقة، وأن نبحث عن حلول تحترم تاريخهم، وتحمي صحتهم، بدلًا من مجرد التفكير في المنزل كأصول قابلة للاستبدال، فالخوف من المجهول مقابل دفء المألوف

ان تمسك كبار السن بمنازلهم هو دفاع غريزي عن الأمان. في مرحلة عمرية تتزايد فيها التحديات الجسدية والمعرفية، يصبح المألوف ضرورة. ترتيب الأثاث الذي يعرفونه عن ظهر قلب، الشارع الذي يتجولون فيه يوميًا، وحتى الجيران الذين ألفوهم، كل هذه التفاصيل تشكل شبكة أمان لا يمكن الاستغناء عنها. في المقابل، يمثل الانتقال إلى مكان جديد، حتى لو كان أفضل من الناحية المادية، غزوًا لهذا الأمان وفتحًا لباب المجهول

فقلوبهم التي عاشت لسنوات طويلة تستحق أن تبقى في أرضها بكل فخر واعتزاز.

ودمتم امنين مطمئنين

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى