
تأملات
جمال عنقرة
العذر الاقبح من الذنب مسجل تاريخيا باسم الشاعر الماجن او نواس، وقصته انه غمز الخليفة المأمون من الخلف غمزة قبيحة، فلما التفت اليه الخليفة غاضبا ومستنكرا، قال له ابو نواس (معذرة كنت أظنك السيدة زبيدة) والسيدة زبيدة هي زوجة الخليفة، فلما استنكر الناس علي مجلس الوزراء توقيف وكيل وزارة الخارجية السفير حسين الامين بسبب موقفه الوطني المشرف، وطرده لموظفي برنامج الغذاء العالمي الذين كانوا يدعمون المليشيا بالغذاء والدواء وغيرهم، فلما سالوهم إن كان ما قام به الوكيل موقف وطني ام غير وطني، لم يستطيعوا ان يقولوا انه موقف غير وطني، وقالوا ان علته انه لم يستكمل الإجراءات المطلوبة لاتخاذ القرار، وهذا الزعم محل نظر، بل هو مردود، فالوكيل خاطب مجلس السيادة، ومجلس الوزراء ومستشارية مجلس السيادة لشؤون المنظمات، ولان المستشارية يقودها الفريق الصادق، وهو من اهل الرباط، كان رده سريعا وحاسما وقاطعا، وأمر بالطرد فورا، وهذا هو الفرق بين الذين أتوا من الخنادق، والذين أتوا من الفنادق.
ان غضبة مجلس الوزراء ليس معني به اهل الداخل، ولكنها محاولة تبرئة انفسهم امام المجتمع الدولي من هذا الطرد الذي يرونه قبيحا، ويراه الشعب السوداني كله عظيما، وأعتقد ان رسالتهم إلى من يعنيهم الأمر قد وصلت، فيجب ألا يتمادوا في معركة لن يجدوا فيها ناصرا ونصيرا، وقد يكون من السياديين من يقفون معهم ذات الموقف، ولكن إذا حمي الوطيس فسوف يتركوهم وحدهم لمواجهة غضبة الشارع، ورئيس مجلس الوزراء الخبير البروف كامل ادريس الذي اعرفه جيدا قبل ان يعرفه كثيرون ممن يتلصقون به هذه الايام، رجل وطني، وقلبه علي الوطن، ولكن طول غيابه عن الوطن، وعدم معرفته بكثيرين من السياسيين الطارئين يضعف حساسيته تجاه كثير من القضايا، ولذلك كنت قد نصحته في أول مقال كتبته بعد تعيينه، ان يركز علي الأداء التنفيذي لحكومته ويترك قضايا الحرب والسياسة لمجلس السيادة بشقيه العسكري، واقول له ان طريقة الصمت التي يتعامل بها مجلس السيادة مع الملفات الساخنة تحرجه، وقد تحرقه، واهم ملف في ذلك ملف الرباعية والحوار مع المليشيا والقوي السياسية المساندة لها، ولقد ثبت أنهم يقولون شئ ويفعلون شيئا آخر ، وآخر مثال رحلة امريكا الأخيرة التي تم نفيها في الأول، ولما انكشف امر الوفد الذي سافر بقيادة وزير الخارجية صديقنا السفير محي الدين سالم، قالوا ان الوفد سافر بدعوة من الحكومة الأمريكية لمناقشة قضايا خاصة بعلاقات البلدين، والحمد لله لم يقولوا الشقيقين، وقالوا إن الوفد لن يقابل المليشيا ولا راعيتها الإمارات، ولما انكشف لقاء وزير الخارجية السوداني مع وزير الدولة الخارجية الإماراتي شخبوط، لاذوا بصمت اهل القبور، ولم يتحدث احد عن اجندة اللقاء، ولا عن مخرجاته، ومثل هذا السلوك يفقد الحكومة مصداقيتها، ولان عزيزنا بروف كامل لا يزال في بداية المشوار نربأ به ان يسير في هذا الدرب، درب الدسدسة، والغتغيت، والمراوغة، لانه حتما سيورده موارد الهلاك، ونحن نريد له ان يقود الشعب والبلد إلى مرافئ النجاة باذن الله تعالى.