
تأملات
جمال عنقرة
ما كنت أود الحديث عن الإجراءات المصرية الأخيرة الخاصة بشروط دخول السودانيين إلى مصر، ليس تحاشيا لأي محاذير، ويعلم الذين يتابعون ما أكتب في شأن العلاقات السودانية المصرية، أنني ليست لدي كوابح، وأكتب قناعاتي بدون تحفظات، وبدون رتوش، وأحمد الله تعالي أني لا أجد من يمكن أن يزايد علي مواقفي مع مصر، ولا علي انتمائي الأصيل الراسخ للسودان أهلا وأرضا، فصلتي بمصر التي تمتد إلى نحو نصف قرن من الزمان، جعلت مصر تختلط عندي بالسودان اختلاط الدماء في الشرايين، فمثلما لا أقصر الصلاة في أم روابة والأبيض وأم درمان، لا اقصرها في كفر الشيخ وطنطا والقاهرة، ومثلما حزنت لتضييع أطهر الطاهر لضربة الجزاء في الخرطوم، سعدت جدا بانتصار الأهلي المصري علي الوداد المغربي رغم اني مريخابي وزمالكاوي، ولكن اسعدني في انتصار الأهلي أنه جاء بالكأس إلى وادي النيل، رغم انا كنا نتمناه في العرضة جنوب أو ميت عقبة، ولكنه ما دام قد فاتنا هنا وهناك، فالجبلاية أولي وأقرب من غيرها.
ولا يستطيع أحد أن يزايد علي انتمائي الأصيل للسودان، ونحمد الله أن جدنا الأمير النور عنقرة منحنا انتماء للسودان وأهل السودان، لم يجده أحد غيرنا، فمن زوجاته الخمس عشرة فوق المائة، منحنا مائة واثنين عم وعمة من كل قبائل السودان، من الجنوب والشمال معا، من الدناقلة ومن الدينكا، من الفور ومن الجعليين، من الشايقية ومن الهدندوة، من الفونج ومن النوبة، ومن كل قبائل السودان، فلا توجد قبيلة ليس لي فيها أبناء عمومة، ولا توجد مدينة في السودان ليس لي بها أهل وعشيرة، لذلك اقول ما اقول ثابتا ولله الحمد.
ومع ذلك لم اشا أن أكتب أولا عن هذه الإجراءات لأن كثيرين صاروا ينظرون إلى العلاقات السودانية المصرية بالقطعة، مثلهم في ذلك مثل السوداني الذي كان يسير في العتبة ويقول “مصر والسودان حتة واحدة” ولما فقد محفظته قال “مصر والسودان ٦٠ حتة” وللأسف الشديد أن كثيرين ممن كان يرتجي منهم أن تكون نظرتهم أشمل وأوسع، صاروا ينظرون إلى الأشياء بذات أعين سوداني العتبة، ومثل هؤلاء لا خير فيهم، ولا كفاية شرهم.
وما حفزني للكتابة اليوم قول وموقف عظيمان، القول حديث والموقف قديم، نظر صاحباهما إلى أبعد من تحت قدميهما كما يفعل كثيرون غيرها، القول قول السيد أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية، وزير الخارجية المصري السابق، وهو قول صارت تسير به الركبان، صفع به الذين يتضجرون من توافد السودانيين إلى مصر، فذكرهم بمواقف سابقة للسودان علي أيام حربي ٦٧ و٧٣، عندما استضاف السودان الكلية الحربية المصرية في جبل أولياء ، ومن بعدها سلاح الطيران المصري في قاعدة وادي سيدنا الجوية.
والموقف للدكتور مصطفي عثمان إسماعيل وزير الخارجية السوداني الأسبق، فعندما تحفظ الجانب المصري علي تطبيق الحريات الأربع لاعتبارات أمنية موضوعية حيث كانت هناك أعداد ضخمة من غير السودانيين يحملون جوازات سفر سودانية، وكلهم تقريبا كانوا علي خلاف مع مصر، وبعضهم يقاتلونها، فعرض عليهم دكتور مصطفي تطبيق الحريات الأربع من جانب واحد، جانب السودان فقط، فوافقوا، وتحقق بذلك فتح عظيم للسودان ومصر معا.
وأذكر قبل يومين قال لي أحد الأصدقاء أن مصر قد تخلت عن السودان في أحلك الظروف، فلم أقل له ما يقوله كثيرون، وما يقدمون من مقارنات في أعداد السودانيين الذين استضافتهم مصر، والذين استضافتهم كل الدول الأخري، ففي ذلك ظلم للسودان ومصر، وللعلاقات السودانية المصرية، فلا توجد دولة علي وجه الأرض بينها وبين مصر والسودان علاقات واواصر ووشائج مثلما بين البلدين والشعبين الشقيقين مصر والسودان، لكنني قلت له يكفي مصر موقفا أنها قادت جامعة الدول العربية لتثبيت أن ما يجري في السودان شأن داخلي لا يجوز فيه التدخل الخارجي بأي شكل من الأشكال، واي مشروع لحل الأزمة السودانية لا بد أن يقوم علي بقاء وتماسك الدولة السودانية وعصبها الجيش السوداني، وأن الحل يصنعه السودانيون وحدهم، يرضونه ويتراضون عليه.
اما عن الوقوف المادي، فقلت له دعك عن قوافل الإسناد التي يقدمها الشعب والجيش المصري لاشقائه في السودان، فذلك حق، ولكن القمح الذي تستورده مصر، واوقفت تصدير كل منتجاته، فتحت الباب علي مصراعيه لتصدير الدقيق إلى السودان، ولم يكن صاحبي يعلم أن كل الدقيق الذي يصل إلى السودان يأتي من مصر، ولا مصدر للدقيق عندنا هذه الأيام غير مصر.
ومع ذلك أتمني أن تستعجل السلطات المصرية وضع الترتيبات التي تعيد الأمر إلى ما كان عليه قبل الأزمة، والعشم أن يعود الناس من عطلة عيد الأضحى المبارك، وقد عاد للنساء، والرجال فوق الخمسين، والأطفال دون السادس عشرة، عاد لهم حق دخول مصر بدون تأشيرة.
أما بالنسبة لي شخصيا، فلم ولن أفقد الأمل في أن نذهب إلى أفضل مما كان عليه الحال في سبعينيات القرن الماضي علي أيام التكامل في عهد الرئيسين الراحلين، السوداني جعفر محمد نميري، والمصري محمد أنور السادات لهما الرحمة والمغفرة، ففي ذاك العهد الزاهر كنا ندخل مصر ببطاقة وادي النيل، وكان أهل حلفا واسوان يدخلون بالبطاقة الشخصية.