تأملات

مصر وقضايا السودان .. السودان أولاً..

تأملات

جمال عنقرة

طالعت بين طيات السحاب في رحلة العودة من القاهرة إلى الخرطوم بعد الإنتهاء من الدورة التدريبية التي نظمها مركز عنقرة للخدمات الصحفية عن الصحافة الإلكترونية في مركز الأهرام الإقليمي للتدريب، وشارك فيها نحو خمسة وعشرين من الصحافيين والإعلاميين، وكللت بنجاح باهر بفضل الله تعالي، طالعت مقالا ساميا رفيعا، للزميلة السامية الرفيعة الأستاذة سمية سيد عنوانه “عودة مصر عبر دار أبو جلابية” ولقد حوي المقال جملة ملاحظات مهمة حول التعاطي المصري مع الشأن السوداني أجد نفسي متفقا مع كثير منها، إن لم يكن كلها، لا سيما خلاصة المقال التي جاء فيها “القاهرة، وبحكم العلاقات التاريخية، والشعبية، والقرب الجغرافي، والمصالح الإقتصادية، والسياسية والأمنية، هي الأكثر تأهيلا للتواصل مع القوي السياسية والمجتمعية في السودان، وقيادة حوار سوداني سوداني، يجمع أطراف الصراع ويحثهم علي حل مشاكلهم بعيدا عن تدخلات الأمم المتحدة والرباعية التي عزلت مصر لسبب لا يبدو مفهوما” والسبب عندي شخصيا مفهوم، وهو أن مصر لن تقبل بتسوية، يضار منها السودان وأهله، لسبب بسيط ومعلوم، وهو أن مصر تضار من كل ما يضار منه السودان وأهله، وهذا لا ينطبق علي دولة أخري غيرها من كل دول العالم، قريبها وبعيدها.
ثمة بعض ملاحظات أخري مهمة حول بعض ما ورد في مقال الأستاذة الممتازة سمية سيد، وأبدا بقولها ابتعاد مصر عن الشأن السوداني في مرحلة مهمة من مراحل تاريخه المفصلي، وهي فترة مفاوضات السلام تحت رعاية الإيقاد علي أيام ميشاكوس ونيفاشا، وكنت مع ذات رأي الأستاذة سمية، ولم أكتف بالكتابة فقط، ولكن سعيت وتواصلت مع مسؤولين مصريين رفيعين من الممسكين بملف العلاقات السودانية المصرية، ودخلت في حوارات متواصلة وعميقة مع الصديقين العزيزين السفير الدكتور حسن جاد الحق له الرحمة والمغفرة، وكان وقتها مسؤولا عن ملف العلاقة مع السودان في الخارجية المصرية، وكان قبلها سفيرا لمصر في السودان، ومع اللواء محمود عبد الخالق وكيل المخابرات المصرية في ذاك الزمان، وكان رأي مصر أن حق تقرير المصير سوف يقود إلى فصل الجنوب، ومصر لن تكون طرفا في منبر يؤدي الي تقسيم السودان.
المسألة الثانية وهي غياب مصر عن الشأن السوداني بعد نجاح ثورة ديسمبر، وكنت قد قلت ذات ما قالته السامية الممتازة سمية سيد للسفير المصري السابق السفير حسام عيسي، والقنصل المصري المستشار أحمد عدلي إمام، وأخبراني معا بموقف مصر، حيث ارتضت مصر الاستجابة لمحاولة ابعادها حتى لا يهدد تمسكها بالمشاركة التطور الإيجابي لمراحل الثورة، لذلك ارتضت مصر الإبتعاد حفاظا علي الثورة السودانية، ومن أجل إكتمال مشروع التغيير، واحتفظت بحقها في المشاركة، متى ما كانت مشاركتها في مصلحة السودان وأهل السودان، ولعل هذا هو السبب وراء فاعليتها الآن لدعم خيار الحل السوداني السوداني.
ملاحظة ثالثة مهمة، تتعلق بزعم مصر داعما وراعيا للحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل، ولمولانا السيد محمد عثمان الميرغني، وقد يبدو الأمر في شكله العام صحيحا، ولكن الحقيقة وفي هذا الشأن، فإن مصر تدعم الموقف، وليس الحزب ولا الشخص، فمصر ظلت منذ بداية الثورة مع الحل الشامل الجامع السوداني السوداني، الذي لا يقصي أحدا، وكانت مصر قد بدأت مساعيها في ذلك أولا مع مركزية الحرية والتغيير، قبل غيرها، ولعلي أشرت في مقال سابق إلى لقاء نظمته لمبعوث الرئاسة المصرية مع عضو مجلس السيادة في ذاك الوقت البروفيسور صديق تاور، القيادي في المجلس المركزي للحرية والتغيير، وكان اللقاء في بيت البروفيسور تاور في شارع البلدية الخرطوم، وكان مضمون الرسالة الرئاسية المصرية لعضو مجلس السيادة القيادي في الحرية والتغيير، أن مسيرة الثورة لن تستمر في ظل الإقصاء الذي تتبناه المركزية وترعاه بعض الجهات الخارجية، وأن سياسة الإقصاء تهدد استقرار البلاد، ولما سأل بروف صديق مسؤول الرئاسة المصرية عن الجهات التي يحذر من إقصائها، قال له بالحرف “كل القوي السياسية السودانية، وفي مقدمتهم الإسلاميون، وكل القوي التي كانت تشارك في الحكم السابق”
فما تقوم به مصر اليوم من دعم، ورعاية للحوار السوداني السوداني، ليس انحيازا للحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل، ولا لزعيمه القائد الحكيم الحسيب النسيب مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، ولا لنجله الذي فوضه لتمثيله المهذب الخلوق السيد جعفر الصادق، ولا لحلفائهم في الكتلة الديمقراطية للحرية والتغيير، ولا للذين استقبلوهم بترحاب شديد أهل نداء السودان بقيادة شيخ الشيوخ الشيخ الطيب الجد، ولا لغيرهم من فصائل ومكونات الحركة الإتحادية، وكثيرين من الأنصار وغيرهم من القوي السياسية والمجتمعية، ولكن موقف مصر هو انحياز للخيار الذي تري فيه صالح السودان، وصالح أهل السودان، وليس لمصر صالح إلا في ما يصلح حال السودان وأهله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى