
من أعلى المنصة ياسر الفادني الكنترول… داخل الكنترول !
من أعلى المنصة
ياسر الفادني
الكنترول… داخل الكنترول !
الزيارة التي قام بها الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى كنترول امتحانات الشهادة السودانية بالأمس رسالة دولة كاملة تقف احترامًا لمن ظلوا يحرسون مستقبل السودان بينما كان آخرون يراهنون على سقوطه،
فالكنترول في زمن الحرب ليس غرفة تُرصد فيها الدرجات فقط، بل هو خندق آخر من خنادق معركة الكرامة، داخله رجال ونساء حملوا الأمانة كما حمل الجنود السلاح، يقاتلون بالفكر كما يقاتل أولئك بالبندقية، وإذا كان الجيش يحرس حدود الوطن، فإن المعلم يحرس حدوده الأخلاقية والعلمية، ويحمي هوية الأجيال من الانهيار
كثيرون لا يعلمون أن معلمين تركوا السبورة إلى المتاريس، وحملوا السلاح دفاعًا عن السودان، ثم عادوا ليحملوا القلم من جديد ، وآخرون ظلوا في مواقعهم التعليمية رغم انقطاع المرتبات، وتأخر الاستحقاقات، وقسوة النزوح، وانعدام أبسط مقومات العمل، لم يتوقفوا لأنهم كانوا يدركون أن سقوط التعليم هو أخطر انتصار يمكن أن يحققه أعداء الوطن
ولهذا، حين دخل البرهان إلى الكنترول، كان في الحقيقة يدخل إلى حصن من حصون السودان، وكانت لغة وجهه قبل حديثه تقول إنه يعرف حجم التضحيات التي قدمها هؤلاء المعلمون، ويعرف أنهم لم يكونوا موظفين يؤدون واجبًا، بل كانوا جنودًا يؤدون رسالة
هذه الزيارة حملت رسالة في اتجاهين: الأولى إلى أهل السودان، بأن الدولة تعرف من وقف معها في زمن المحنة، وأن من يحرس الامتحانات لا يقل وطنية عن من يحرس المتاريس، أما الرسالة الثانية، فقد ذهبت مباشرة إلى أولئك الذين جعلوا أبواب السفارات أوطانًا بديلة، وظنوا أن الحرب ستسقط مؤسسات الدولة، وأن الشهادة السودانية ستصبح ذكرى من الماضي،
لكن الكنترول أجابهم بصمته، وأجابهم المعلم بثباته، وأجابهم السودان كله بأن مؤسساته لا تزال واقفة على قدميها، وأن الوطن لا يدار بتغريدات الخيانة، ولا ببيانات الفنادق، وإنما يدار بسواعد المخلصين
الكنترول هذه المرة لم يكن داخل مدرسة فحسب، بل كان داخل معركة، وكانت أوراق الامتحانات تحمل معنى أكبر من الدرجات ، كانت تحمل شهادة بأن السودان، رغم الجراح، ما زال قادرًا على أن يعلّم أبناءه، وأن يبني مستقبله، وأن يهزم كل من راهن على انهياره
إني من منصتي أنظر….. حيث أقول :…. هكذا أصبحت زيارة البرهان إلى الكنترول أكثر من زيارة… لقد كانت وقوفًا داخل الكنترول الحقيقي، كنترول الوطنية، وكنترول الضمير، وكنترول الدولة وهناك، لا مكان للغش، ولا مجال للعملاء، ولا نجاح إلا لمن يستحق أن يكتب اسمه في دفتر الوطن.