الأعمدة

نقطة سطر جديد   ✍🏻إخلاص محمدابراهيم  تحديث بيانات «بنكك».. حين يتحول الإجراء المصرفي إلى معاناة للسودانيين في الخارج

نقطة سطر جديد

✍🏻إخلاص محمدابراهيم

تحديث بيانات «بنكك».. حين يتحول الإجراء المصرفي إلى معاناة للسودانيين في الخارج

رسالة تظهر للعميل عند التحويل: حدّث بياناتك أولاً.. والسؤال: كيف يفعلها من يعيش خارج السودان؟

في الوقت الذي يعيش فيه السودانيون في الداخل والخارج واحدة من أصعب المراحل في تاريخ البلاد، تأتي الإجراءات المصرفية الجديدة لتضيف عبئاً آخر على المواطن، خصوصاً أولئك الذين يعتمدون على حساباتهم البنكية في تحويل الأموال وإعالة أسرهم والتعامل مع احتياجاتهم اليومية.

القصة بدأت بالنسبة لي عندما حاولت إجراء تحويل عبر تطبيق «بنكك»، فإذا برسالة تظهر أمامي تطلب تحديث بيانات العميل قبل إتمام العملية.

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى إجراءً مصرفياً عادياً، بل ومفهوماً في ظل القوانين والضوابط الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. لكن المشكلة ليست في مبدأ تحديث البيانات، وإنما في كيفية تطبيقه، ومدى مراعاته لظروف ملايين السودانيين الذين يعيشون خارج البلاد.

القرار موجود.. لكن أين المشكلة؟

الوثيقة الصادرة عن بنك السودان المركزي – الإدارة العامة للرقابة على البنوك بتاريخ 30 يوليو 2026م، والموجهة إلى المصارف، تشير إلى المنشور رقم (8/2026) الخاص بالضوابط التنظيمية والرقابية بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار التسلح.

والمنشور الرسمي نفسه يقرر بالفعل ضرورة تحديث المعلومات والبيانات والمستندات التي تم جمعها في إطار إجراءات العناية الواجبة بصورة مستمرة، مع مراجعة دورية لصلاحيتها. كما يلزم المؤسسات المالية بمراقبة علاقات العمل والمعاملات واكتشاف العمليات غير المعتادة.

إذن، لا أحد يعترض على حق الدولة في حماية النظام المصرفي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

لكن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بقوة هو:

هل يجوز أن يتحول تنفيذ هذه الضوابط إلى عائق أمام العميل السوداني الذي يعيش خارج السودان، ويعتمد على حسابه البنكي في إرسال الأموال إلى أسرته أو إدارة مدخراته؟

بنك السودان أصدر الضابط.. والمواطن يواجه التطبيق

هنا يجب أن نفرق بين أمرين.

الأول: المنشور الرقابي الصادر عن بنك السودان المركزي، وهو يضع الإطار العام الذي يجب أن تلتزم به المؤسسات المصرفية.

والثاني: كيفية تنفيذ المصرف لهذا الإجراء على العميل، ومنها الرسالة التي تظهر داخل تطبيق «بنكك» عند محاولة إجراء تحويل وتطلب تحديث البيانات.

وهذا التفريق مهم جداً حتى لا نحمل القرار أكثر مما يقول، ولا نعفي المصرف من مسؤولية الطريقة التي يطبق بها القرار.

فالمنشور لا يقول إن السوداني المقيم في الخارج مواطن من الدرجة الثانية، ولا يقول إن حسابه يجب أن يصبح عبئاً عليه، وإنما يضع متطلبات رقابية لتحديث البيانات والعناية بالعميل.

ومن هنا تأتي مسؤولية بنك الخرطوم: كيف ينفذ هذه المتطلبات دون أن يعاقب العميل الملتزم أو يعطل أمواله أو يحاصره بإجراءات لا يستطيع تنفيذها بسهولة من مكان إقامته؟

المغترب السوداني ليس متهماً حتى يثبت العكس

السودانيون في الخارج ليسوا مجرد أصحاب حسابات مصرفية.

إنهم أسر تعيش في الغربة وتعمل وتكافح وترسل أموالها إلى السودان.

إنهم آباء وأمهات يدفعون تكاليف علاج أبنائهم واحتياجات أسرهم.

إنهم سودانيون فقدوا منازلهم ومصادر دخلهم بسبب الحرب، واضطروا إلى اللجوء والهجرة، ومع ذلك ظلوا يحاولون مساعدة أهلهم وبلدهم بما يستطيعون.

ولهذا فإن التعامل مع العميل المقيم خارج السودان يجب أن يقوم على التيسير والمرونة والوضوح، لا على المفاجأة والتعطيل.

إذا كان البنك يريد تحديث البيانات، فمن حق العميل أن يعرف بوضوح:

ما البيانات المطلوبة؟

ما المستندات المطلوبة؟

هل يستطيع تحديثها إلكترونياً بالكامل؟

هل يستطيع السوداني الموجود في الخارج تنفيذ الإجراء من دولة إقامته؟

ماذا يفعل إذا انتهت صلاحية مستنداته السودانية؟

وماذا يفعل إذا كان لا يستطيع الحضور إلى السودان؟

وهل يتوقف التحويل بمجرد ظهور الرسالة أم توجد مهلة معقولة للتحديث؟

هذه ليست أسئلة هامشية، وإنما حقوق أساسية للعميل.

مكافحة غسل الأموال لا تعني معاقبة العملاء

نحن مع مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومع حماية القطاع المصرفي من الجرائم المالية.

بل إن المنشور المركزي نفسه يقوم على هذه الفلسفة، ويطلب من المؤسسات المالية تصنيف مخاطر العملاء ومراقبة المعاملات وتحديث البيانات والمستندات.

لكن مكافحة الجريمة شيء، وتعطيل مصالح ملايين العملاء شيء آخر.

والدولة التي تريد نظاماً مصرفياً قوياً يجب أن تحقق المعادلة الصعبة:

رقابة قوية على الأموال المشبوهة، وخدمة عادلة وسهلة للعميل الملتزم.

أما أن يشعر المواطن بأن حسابه قد يتحول إلى مصدر قلق كلما أراد تحويل أمواله، فهذا يضر بالثقة في النظام المصرفي، والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي بنك.

بنك الخرطوم مطالب بإجابة واضحة

الرسالة التي تظهر للعميل داخل «بنكك» عند محاولة التحويل يجب ألا تكون مجرد عبارة: «قم بتحديث بياناتك».

المطلوب أن تكون هناك آلية واضحة ومعلنة، خصوصاً للعملاء خارج السودان.

فالسوداني المقيم في القاهرة أو الدوحة أو الرياض أو لندن أو أي دولة أخرى لا يستطيع ببساطة أن يتعامل مع الإجراءات وكأنه موجود أمام فرع البنك في الخرطوم.

ولذلك نطالب بنك الخرطوم بأن يوضح للرأي العام والعملاء:

ما سبب ظهور رسالة تحديث البيانات للعملاء؟

هل الإجراء يشمل جميع العملاء أم فئات محددة؟

ما البيانات والمستندات المطلوبة تحديداً؟

هل يمكن إكمال التحديث إلكترونياً من خارج السودان؟

هل يؤدي عدم التحديث فوراً إلى إيقاف التحويلات أو بعض الخدمات؟

ما المهلة الممنوحة للعميل قبل تقييد حسابه؟

ما الحل بالنسبة للعملاء المقيمين خارج السودان ولا يستطيعون زيارة فرع؟

هل توجد قناة رسمية مخصصة لمعالجة مشاكل المغتربين؟

لا نريد مواجهة مع البنك.. نريد حماية العميل

المطالبة بالتوضيح ليست عداءً لبنك الخرطوم.

والاعتراض على طريقة تطبيق الإجراء لا يعني رفض مكافحة غسل الأموال.

بل على العكس تماماً؛ البنك القوي هو الذي يستطيع تطبيق أقوى المعايير الرقابية دون أن يجعل العميل الملتزم يدفع ثمنها.

نحن نريد مصرفاً يحارب غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وفي الوقت نفسه يحمي أموال المواطن ويحافظ على حقه في الوصول إليها واستخدامها بصورة طبيعية.

نريد رقابة ذكية لا تعطل حياة الناس.

نريد تحديثاً للبيانات لا يتحول إلى إغلاق غير معلن للأبواب أمام السودانيين في الخارج.

ونريد من بنك السودان المركزي، باعتباره الجهة الرقابية، أن يتأكد من أن تطبيق المنشور رقم (8/2026) يتم بما يحفظ الهدف الرقابي ويحمي حقوق العملاء في الوقت نفسه.

رسالة إلى بنك السودان المركزي وبنك الخرطوم

يا بنك السودان المركزي، أنتم أصدرتم الضوابط لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذا حق أصيل للدولة وضرورة لحماية القطاع المصرفي.

لكن الرقابة لا تكتمل إلا بحماية المواطن أيضاً.

ويا بنك الخرطوم، إذا كانت رسالة «حدّث بياناتك» أصبحت تظهر للعميل عند محاولة التحويل، فالمواطن يريد أن يعرف الطريق بوضوح، لا أن يجد نفسه أمام باب مغلق.

لا تجعلوا السوداني في الخارج يدفع ثمن الحرب مرتين؛ مرة عندما اضطرته الحرب إلى مغادرة وطنه، ومرة عندما يجد أمواله التي يكافح لجمعها ومساعدة أسرته بها محاصرة بإجراءات لا يعرف كيف ينفذها.

تحديث البيانات إجراء مصرفي مشروع.

لكن تعطيل مصالح المواطن دون توفير وسيلة واضحة وميسرة للتحديث ليس حلاً.

والسؤال اليوم ليس: هل نحدث البيانات؟

بل السؤال الأهم:

كيف نحدثها دون أن نعطل حياة الناس؟

هذه مسؤولية بنك الخرطوم، ومسؤولية بنك السودان المركزي، ومسؤولية كل من يضع الضوابط المصرفية في بلد يعيش مواطنوه داخل السودان وخارجه ظروفاً استثنائية.

نريد مكافحة غسل الأموال.. نعم.

نريد نظاماً مصرفياً آمناً.. نعم.

لكننا نريد أيضاً بنكاً يسمع العميل، يحمي أمواله، وييسر له الوصول إلى حقه المشروع.

فالعميل ليس خصماً للبنك.. والرقابة ليست عقوبة للمواطن.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى