
نقوش متنوعة
نقوش متنوعة
حين يصبح التواضع خصماً من المقام..!
د. كوثر باباي
ليست المشكلة أن يعرف الإنسان مقامه؛ المشكلة حين يظن أن معرفة المقام تكبّر، واحترام الكبير خضوع، وتقدير العالم تمييز، والمساواة تعني أن نضع الجميع في صفٍّ واحد، ثم نمنح الجاهل حقَّ مقارعة العالم، والمتطاول حقَّ مجاورة الحكيم، ومن لم يخض التجربة حقَّ مصادرة تجربة من أفنى عمره في الحياة.
فحين يقال الناس مقامات..
ليست هذه دعوة إلى طبقية أو تعالٍ، وإنما اعتراف بحقيقة يعرفها العقل قبل أن تعرفها المجتمعات:
الناس يتفاوتون في العلم، والخبرة، والأخلاق، والعطاء، والمسؤولية، والأثر.
بيد أن المشكلة تبدأ حين نخلط بين المساواة في الكرامة الإنسانية وبين التساوي في الفضل والمكانة.
كل إنسان له كرامته، لكن ليس كل إنسان عالماً.
وكل إنسان يستحق الاحترام، لكن ليس كل إنسان صاحب خبرة.
وكل إنسان يملك حق الكلام، لكن ليس كل كلام يستحق أن يُؤخذ به.
فهل يستوي العالم والجاهل؟
وهل يستوي من أمضى سنوات عمره في خدمة الناس، بمن لم يضع لبنة واحدة في جدار المجتمع؟
وهل يستوي من خاض التجارب وتعلم من أخطائه، بمن لم يبدأ بعد أول الطريق؟
ليس في ذلك انتقاص من أحد؛ إنما هو وضع للأشياء في مواضعها.
والدين نفسه لا ينظر إلى الناس باعتبارهم نسخة واحدة في الفضل والدرجة.
قال تعالى:
﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ﴾.
لكن الرفعة الحقيقية ليست منصباً يُعلَّق، ولا مالًا يُعرض، ولا لقباً يُردد؛ وإنما ما يضعه الإنسان في ميزان الله من علمٍ وعملٍ وخلقٍ وتقوى.
ولهذا كان التواضع فضيلة.
لكن التواضع ليس أن تهدم نفسك حتى يرضى عنك الآخرون.
وليس أن تنكر علمك حتى لا يتهمك أحد بالغرور.
وليس أن تسمح لمن لا يعرف تجربتك ولا يعرف ما قدمته أن يضع نفسه فوقك لمجرد أنه يرفع شعار المساواة.
التواضع الحقيقي أن تعرف فضلك ولا تقدسه، وتعرف مقامك ولا تستعلي به، وتعرف مقام غيرك ولا تحتقره.
فالذي يعرف مقامه حقًا لا يحتاج إلى أن يصرخ به.
العالم الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان أنه عالم.
والكبير لا يحتاج إلى إذلال الصغير ليبرهن أنه كبير.
وصاحب الخلق لا يحتاج إلى تحقير الآخرين ليبدو محترماً.
فالمقامات الحقيقية لا تصنعها الألقاب، وإنما تصنعها الأفعال، وتثبتها المواقف، ويؤكدها الأثر.
وهنا تكمن المفارقة:
هناك من يرفع نفسه فوق الناس بلا علم ولا خلق ولا عطاء، ثم يسمي ذلك هيبة.
وهناك من يخفض نفسه إلى درجة إلغاء قيمته، ثم يسمي ذلك تواضعاً.
وكلاهما أخطأ الطريق.
فبين التكبر والتذلل منزلة أرقى:
أن تعرف من أنت، دون أن ترى نفسك فوق الناس؛ وأن تعرف قدر الآخرين، دون أن تجعل احترامهم إلغاءً لذاتك.
فليس التواضع أن تنزل عن مقامك،
ولا الكبرياء أن تتمسك به.
الحكمة أن تعرف المقام وتحفظ لكل إنسان مقامه.