
هل أصبح تجاوز الأحزاب ضرورة مرحلية في السودان؟
د. حيدر البدري
نقطة سطر جديد
من دولة المحاصصة إلى دولة المواطن…
ثمة أسئلة لا يجوز أن نهرب منها بعد هذه الحرب. فليس السؤال فقط: من يحكم السودان؟ بل السؤال الأكثر عمقاً: كيف يجب أن يُحكم السودان أصلاً؟
فالسودان الذي سيخرج من الحرب لن يكون هو السودان الذي دخلها. ولن يكون ممكناً، ولا عاقلاً، أن نعيد تركيب الدولة بالأدوات السياسية ذاتها التي ساهم عجزها وتنازعها وانقساماتها في إنتاج الأزمة أو في العجز عن منعها.
لقد جُرّبت الدولة التي تتنازعها الأحزاب، والدولة التي تتقاسمها النخب، والدولة التي تُدار بمنطق المركز والهامش، والدولة التي تُوزع فيها المواقع وفق موازين القوى السياسية والعسكرية والجهوية. وجُرّبت كذلك الصيغ الانتقالية التي تبدأ بوعد بناء دولة المؤسسات، ثم تنتهي إلى صراع على المقاعد والنسب والوزارات.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح الآن، بشجاعة، هو: هل أصبح تجاوز الأحزاب السياسية السودانية ضرورة مرحلية لإعادة تأسيس الدولة؟.
والإجابة، في تقديري، هي: نعم مرحلياً، ولكن لا ديمقراطياً ولا نهائياً. فالفرق كبير بين أن نتجاوز الأحزاب في عملية تأسيس الدولة، وبين أن نتجاوزها في الحياة السياسية. الأول قد يكون ضرورة.
أما الثاني فهو إلغاء للتعددية.
أولاً: لا نحتاج إلى إلغاء الأحزاب… بل إلى إخراجها من غرفة كتابة الدستور. والدستور ليس برنامج حزب. والدستور ليس بياناً سياسياً.
والدستور ليس اتفاقاً بين زعماء القوى السياسية على توزيع السلطة.
الدستور هو العقد الأعلى الذي يحدد شكل الدولة، وحقوق المواطنين، ومستويات الحكم، واختصاصات المؤسسات، وحدود السلطة، واستقلال القضاء، وقواعد تداول الحكم، وعلاقة المركز بالأقاليم، وآليات الرقابة والمساءلة.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان هو أن يدخل الدستور الدائم إلى غرفة مغلقة، ثم يخرج منها حاملاً بصمات القوى الأكثر تنظيماً والأعلى صوتاً والأكثر امتلاكاً للسلاح أو المال أو النفوذ.
لقد كانت وثيقة 2019 نفسها انتقالية، ونصت على دولة ديمقراطية تعددية ولا مركزية، وعلى مستويات اتحادية وإقليمية/ولائية ومحلية، مع توزيع للاختصاصات والموارد بين هذه المستويات. كما أن اتفاق جوبا للسلام طرح صراحة فكرة إعادة النظام الإقليمي الفيدرالي، وعقد مؤتمر لنظام الحكم لمراجعة التقسيم الإداري ومستويات الحكم واختصاصاتها.
لكن المشكلة ليست في النصوص وحدها.
المشكلة في من يكتب النص، ومن يفسره، ومن يطبقه، ومن يستطيع تعطيله. ومن هنا تأتي الفكرة الأكثر أهمية:
لماذا لا يكون الدستور القادم دستوراً تصنعه الأقاليم أولاً؟
لا بمعنى أن لكل إقليم دستوراً منفصلاً عن السودان، وإنما بمعنى أن كل إقليم سوداني يعقد مؤتمره الدستوري المحلي، يشارك فيه:
الإدارات الأهلية. النقابات والاتحادات المهنية. الجامعات ومراكز البحث.المرأة والشباب. ممثلو المدن والأرياف. المزارعون والرعاة. أصحاب الأعمال. ممثلو المكونات الثقافية واللغوية. منظمات المجتمع المدني. رجال القانون والقضاء السابقون والمختصون .ممثلو النازحين واللاجئين والعائدين. ممثلو الفئات التي عانت من الحرب. وشخصيات وطنية مستقلة.
ثم تنتخب كل منطقة ممثليها إلى المؤتمر الدستوري القومي. هنا يصبح الدستور نابعاً من المجتمع إلى الدولة، لا من الأحزاب إلى المجتمع.
فالسودان يحتاج إلى دستور يكتبه السودانيون لا إلى دستور تكتبه النخب.
نقطة سطر جديد.