
همس الحروف .. الحزمة الإضافية للتأمين الصحي ، هي تطور نوعي إلى خيارات أوسع .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي
همس الحروف .. الحزمة الإضافية للتأمين الصحي ، هي تطور نوعي إلى خيارات أوسع .. ✍️ د. الباقر عبد القيوم علي
منذ انطلاق مشروع التأمين الصحي في السودان قبل أكثر من ثلاثة عقود ، ظل الهدف الرئيسي واضح للجميع وهو أن تكون الرعاية الصحية حقاً متاحاً لكل مواطن ، وهي ليست إمتياز حصري فقط لمن يمتلك القدرة المالية ، وعلى هذا الأساس نشأت الحزمة الأساسية للتأمين الصحي ، بوصفها المظلة الشاملة التي تستوعب الجميع ، الغني منهم والفقير بدون فرز ، وتوفر الخدمات العلاجية وفق فلسفة التكافل الإجتماعي التي يقوم عليها النظام بأكمله .
ولكن مع مرور السنوات تغيرت طبيعة الإحتياجات الصحية ، وظهرت شريحة من المشتركين ترغب في الحصول على خدمات أوسع أو أسرع ، أو يريدون تلقي علاج نوعي داخل مؤسسات صحية خاصة ذات مواصفات معينة ، من دون أن تغادر هذه الشريحة مظلة التأمين الصحي إلى شركات التأمين الطبي التجارية ، ومن هنا جاءت فكرة الحزمة الإضافية ، وهي ليس بإعتبارها بديل للحزمة الأساسية ، ولكن امتداد نوعي لها .
ورغم أن كثيرين من المواطنين سمعوا بهذا البرنامج ، إلا أن هنالك حالة من الإلتباس ما زالت قائمة لدى البعض ، ولهذا نريد التوضيح ، بأن الحزمة الأساسية لم ولن تتغير ، وهي حق لكل المشتركين ، وتظل هي الأساس الذي يقوم عليه التأمين الصحي ، أما الحزمة الإضافية فهي برنامج إختياري مخصص لمن يرغب في مزايا إضافية مقابل إشتراك إضافي ، يتيح للمشترك الإستفادة من خدمات نوعية عبر منافذ صحية خاصة ، مع المحافظة على إنتمائه لمنظومة التأمين الصحي القومي .
هذه الفكرة ليست خروجاً عن فلسفة العدالة الاجتماعية ، ولكنها تمثل أحد أساليب تطويرها ، فالأنظمة الصحية الحديثة من حولنا لا تكتفي دائماً بتوفير الحد الأدنى من الخدمة ، ولكن في حقيقة الأمر تعمل أيضاً على إستيعاب إحتياجات الشرائح المختلفة داخل النظام الواحد ، بما يحقق الإستدامة ويحد من إنتقال بعض المستفيدين إلى أنظمة تأمين أخرى موازية .
وفي الولاية الشمالية كانت البداية لهذا البرامج في شهر أغسطس 2024 ، عندما جرى تطبيق هذه الحزمة الإضافية كتجربة إسترشادية شملت المؤسسات الاتحادية التي تعمل بالولاية ، وأثبتت التجربة العملية أن بالإمكان تقديم خدمة صحية نوعية داخل إطار التأمين الصحي ، مع ميزة مهمة جداً وهي تتمثل في أن بطاقة هذه الحزمة ذات صفة قومية ، بما يتيح للمشترك الإستفادة من خدماتها في أي ولاية من ولايات السودان .
ومن هنا تكتسب ورشة تقييم الحزمة الإضافية أهميتها ، وخصوصاً أن البعض ظنوا أنها مناسبة لتدشين الخدمة أو الإحتفاء ببرنامج جديد ، ولكنها تعتبر محطة مهمة لمراجعة التجربة وقياس جودة الخدمات التي تم تقديمها ، والوقوف على جوانب القوة فيها ، والمشاكل التي واجهتها ، تمهيداً لتوسيع التطبيق داخل المؤسسات ذات المقدرة المالية ، وكذلك في القطاع الخاص ، وفق معايير تضمن جودة الخدمة وإستدامتها .
ومن هذا المنطلق جاءت إشادة سعادة الفريق ركن عبد الرحمن عبد الحميد ابراهيم والي الولاية الشمالية بالتأمين الصحي ودوره في توسيع الحماية الاجتماعية التي تؤكد أن تطوير الخدمات الصحية هي جزء لا يتجزأ من مسؤولية الدولة تجاه المواطن ، وأن نجاح أي تجربة يستدعي توفير البيئة التي تساعدها على الإستمرار والتوسع .
وهنا لا بد لنا أن نثمن الدور المحوري الذي لعبته الدكتورة شيراز عمر حجازي، مدير التأمين الصحي بالولاية الشمالية ، في إدارة هذه التجربة منذ إنطلاقتها ، وذلك ليس من خلال تنفيذ البرنامج فقط ، لأن لها بصمتها الخالصة والخاصة في بناء الشراكات اللازمة ومتابعة الأداء وتقييم النتائج ، وصولاً إلى مرحلة المراجعة والتطوير التي تشهدها الولاية اليوم .
فالرسالة المهمة التي ينبغي أن تصل إلى جميع المواطنين هي أن الحزمة الإضافية لا تلغي الحزمة الأساسية ، ولا تستبدلها ، ولا تنتقص من حقوق أي مشترك فيها ، ولكن ببساطة هي عبارة عن خيار إضافي لمن يرغب في خدمات علاجية نوعية داخل منافذ خاصة ، مقابل إشتراك إضافي ، بينما تبقى الحزمة الأساسية هي المظلة الأم التي يستظل بها الجميع ، والتي يقوم عليها مشروع التأمين الصحي في السودان منذ نشأته .
وبهذا الفهم المتطور فقد وضحت الصورة للجميع ، وأصبح من الواجب فك الخلط وحالة الإلتباس التي صاحبت الحديث عن هذه الحزمة الاضافية ، فتطوير التأمين الصحي لا يعني تغيير رسالته التي ظل يقوم بها على مدى سنوات طويلة ، وإنما هي توسيع في حزمة خياراته ، بحيث يظل نظاماً وطنياً واحداً قادراً على خدمة مختلف الشرائح ، وكلٌ بحسب إحتياجه ، مع الحفاظ على مبدأ التكافل الذي تأسس عليه منذ البداية .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل