
همس الحروف .. يجب ألا يُظلم الطلاب مرتين ..✍️ د. الباقر عبد القيوم
همس الحروف .. يجب ألا يُظلم الطلاب مرتين ..✍️ د. الباقر عبد القيوم
تداولت وسائل التواصل الاجتماعي منشور كتبه الأستاذ أحمد عبدالكريم عبدالله ، بشأن بعض الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين جلسوا لامتحانات الشهادة السودانية في الولاية الشمالية ، وقد حدث خطأ بسيط في إيصال معلومة معينة إلى هؤلاء الطلاب ، ونتيجة سوء الفهم الذي حدث من تلك المعلومة الناقصة ، أتت النتيجة مؤلمة ومحزنة للطلاب وأسرهم ، وهو أمر يستحق التوقف عنده ، وذلك ليس من باب البحث عن شماعة نعلق عليها مسؤولية هذا الخطأ ، ولكن من أجل الوصول إلى الحقيقة أولاً ، ثم العمل على معالجة الأمر بما يحفظ حق الطلاب الذين لا ذنب لهم فيما حدث .
الشيء المهم في هذا الموضوع ، وقبل إطلاق أي حكم يجب أن نضع الأمور في قالبها الصحيح ، فبحسب نظام امتحانات الشهادة السودانية ، فإن الطلاب (ذوي الهمم) لديهم ترتيبات مختلفة تتيح لهم الجلوس لأربع مواد محددة تخصهم كحالات خاصة ، مراعاة لظروفهم ، ولكن هذه المواد الأربع وحدها لا تعني إعفاء الطالب من بقية المواد التي يتطلبها النظام ، إذ إن النتيجة النهائية لا تكتمل إلا بسبع مواد ، ولذلك يفترض أن يجلس هؤلاء الطلاب ثلاث مواد أخرى مع بقية ممتحني للشهادة الثانوية .
وهنا تحديداً في الولاية الشمالية ، حدث لبس وسوء فهم أديا إلى ما انتهى إليه المنشور ، فالمسألة في أصلها ليست قرار صادر عن وزارة التربية والتعليم بالولاية ، ولا إجراء اتخذته الوزارة الولائية بشأن ما حدث لهؤلاء الطلاب ، ولكن ترتب على ذلك أن جلس الطلاب لأربعة مواد فقط ، وسجلوا غياب بسبب المعلومة المضللة في المواد الثلاث الأخرى مع بقية طلاب الشهادة السودانية .
فكل إجراءات الامتحانات ، بما فيها مظاريف الامتحانات والموجهات العامة والخاصة المتعلقة بها ، تمر عبر كبير المراقبين ، وهو صاحب العلاقة المباشرة بإدارة امتحانات السودان ، وكبير المراقبين في الولاية هو أحد أساتذة المرحلة الثانوية ، ويتلقى جميع تعليماته المتعلقة بتفاصيل إدارة أوراق الامتحانات والموجهات الخاصة بها من إدارة امتحانات السودان مباشرة ، كما أن صلته الفنية والإجرائية في هذا الجانب هي مع إدارة امتحانات السودان فقط ، وليس له أي علاقة بالوزارة في الولاية في هذا الشأن .
ولذلك فإن تحميل الوزارة بالولاية الشمالية المسؤولية المباشرة عن خطأ عدم جلوس الطلاب للمواد الثلاث التي كان يُفترض أن يمتحنوها مع بقية الطلاب ، فيه شيء من عدم الدقة في توصيف الواقعة ، وهذا الأمر يحتاج إلى مراجعة وتدقيق في الوقائع ، حتى لا يتحول النقاش من البحث عن الحقيقة وتحديد موطن الخلل إلى إدانة جهة لم تكن طرفاً مباشر في الإجراء محل الخطأ .
والمؤسف في الأمر أن المعلومة كما يبدو ، إنها وصلت إلى الطلاب بصورة غير مكتملة ، وربما تكون قد وصلت إلى كبير المراقبين نفسه أيضاً بصورة ناقصة ، فحدث ما حدث بناء على فهم غير صحيح لطبيعة امتحانات هذه الفئة من الطلاب ، ومتطلبات النتيجة النهائية ، وفي كل الأحوال ، فإن هذا الخطأ يُعد خطأ مؤسسي ، وامتدت آثاره إلى مستقبل طلاب أبرياء وأسرهم .
فالطلاب أُبلغوا بأن المواد المطلوبة منهم هي أربع مواد فقط ، وقد أدوا إمتحاناتها على أكمل وجه ، ولذلك لا يجوز أن يكونوا هم من يدفعون ثمن خطأ في توصيل المعلومة أو في تنفيذ الإجراءات .
لقد وقع الخطأ بالفعل ، وهذه ليست اللحظة المناسبة لتبادل الاتهامات أو الدخول في خلاف بين الوزارة الولائية وأسر الطلاب ، فالخطأ بحسب ما سبق ، وقع من جانب كبير المراقبين ، وهنا ينبغي أن ينصرف الجهد إلى معالجة آثار الخطأ وإنصاف الطلاب ، وليس إلى البحث عن العقوبة وتحديد الطرف المخطئ .
ومن هنا فإن المطلوب أن تتعامل إدارة امتحانات السودان مع هذا الأمر بروح تستحضر أن الامتحانات هي عبارة عن وسيلة لتحقيق العدالة التعليمية ، وليست هي غاية في حد ذاتها ، فإذا كانت اللوائح والإجراءات تسمح بمعالجة مثل هذه الحالات ، فهل يمكن أن تسمح إدارة الامتحانات لهؤلاء الطلاب بالجلوس للمواد الثلاث التي لم يجلسوها ، حتى لا يتسبب خطأ إجرائي ومؤسسي من هذا النوع الذي يُسمى في العرف العام (خطأ مكتب) ، في ضياع سنة كاملة من أعمار هؤلاء الطلاب .
وإذا كانت هناك معالجة أخرى تراها إدارة امتحانات السودان أكثر اتساقاً مع النظم واللوائح ، فلتطرح الأمر بصورة عاجلة وواضحة ، والمهم في ذلك ألا يكون الطالب هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة .
أما وزارة االتعليم بالولاية الشمالية ، فإن من واجب واجباتها الأخلاقية والتربوية أن تظل قائمة في متابعة القضية ، والسعي مع الجهات المختصة إلى إيجاد الحلول المناسبة ، حتى وإن لم تكن هي طرف مباشر في الإجراء الذي أدى إلى المشكلة ، لأن الوزارة هي الجهة المعنية بحقوق طلاب الولاية ومستقبلهم ، ومن صميم مسؤوليتها أن تطرق كل الأبواب الممكنة بحثاً عن حق الطلاب ، فالخطأ وإن بدا بصورة إدارية في بدايته ، فإنه سيتحول إلى أزمة إنسانية عندما يتعلق الأمر بمستقبل هؤلاء الطلاب ، ولا سيما أنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة .
فالطلاب أدوا ما طُلب منهم ، ووثقوا في من تولى مسؤولية تنظيم امتحاناتهم ، وليس من العدل أن يتحملوا نتيجة خطأ ليس لهم علاقة به ، فمن باب العدل والإنصاف يحب أن نضع المسؤولية في موضعها الصحيح ، وأن نبحث في الوقت نفسه عن معالجة تحفظ للطلاب حقهم .
وإذا كانت هناك إمكانية نظامية تتيح لهؤلاء الطلاب فرصة لأداء هذه المواد الثلاث التي غُيبوا من امتحانها ، فإننا نرجو من إدارة امتحانات السودان أن تنظر إلى الأمر بعين تربوية وإنسانية ، وأن تمنح هذه القضية ما تستحقه من تفهم ، حتى لا يتحول خطأ مؤسسي غير مقصود إلى ظلم دائم يحرم الطلاب من حق أصيل سيؤثر في مستقبلهم .
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
elbagirabdelgauom@gmail.com